الوجود الحق سبحانه من كونه ذاتا محضا لا اعتبار مغايرة فيه أصلا ربما يتجلى للعارفين به المحققين له في مشهد من مشاهده الذي وقيه بمنزلة المرآة الصافية بظهور صور المخلوقات كلها على ترتيب بديع في الظهور من الأزل بالتقديم والتأخير ، وكذلك أيضا كل صورة من جميع صور المخلوقات المترتبة في الظهور بمنزلة المرآة الصافية من حيث الوجود الحق سبحانه فيها من حيث كونه صفات وأسماء هي عين الذات المحض « 1 » ، ولهذا لم يكن لذلك الوجود الحق سبحانه فيها صورة أصلا ؛ لأنه تعالى لا صورة له وجميع مخلوقاته كلها ، إنما هي صور فقط ، ولهذا أيضا ظهر الوجود الحق سبحانه في مرايا صور المخلوقات واحدا « 2 » ، لا تأتى له من حيث كونه ذاتا ، وأما
هامش
وهو قوله تعالى :كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍفلما كان اللّه كل يوم هو في شأن كان تقليب العالم الذي هو صورة هذا القالب من حال إلى حال مع الأنفاس ، فلا يثبت العالم فقط على حال واحدة زمانا فردا ؛ لأن اللّه خلاق على الدوام ، ولو بقي العالم على حال واحدة زمانين لا تصف بالغنى عن اللّه ، ولكن الناس في لبس من خلق جديد . [ فصوص الحكم ( 3 / 452 ) ] .
( 1 ) قال ابن عربي : أراد اللّه أن يرى نفسه رؤية كمالية تكون لها ويزول في حقه حكم الهو ، فنظر في الأعيان الثابتة فلم ير عينا يعطى النظر إليها هذه الرتبة الإنسانية إلا عين الإنسان الكامل ، فقدرها عليه وقابلها به ، فوافقت إلا حقيقة واحدة نقصت عنه ، وهي وجودها لنفسها ، فأوجدها لنفسها ، فتطابقت الصورتان من جميع الوجوه ، وقد كان قدر تلك العين على كل ما أوجده قبل وجود الإنسان من عقل ونفس وهباء وجسم وفلك وعنصر ومولد ، فلم يعط شيئا منها رتبة كمالية إلا الوجود الإنسانى وسماه إنسانا ؛ لأنه أنس الرتبة الكمالية فوقع بما رآه الإنس له فسماه إنسانا . ( فصوص الحكم لابن عربي : 2 / 642 - 643 ) ] .
( 2 ) في حقيقة وحدة الوجود قال ابن عربى في فصوص الحكم ( 4 / 33 ) : إني رأيت وجودا لست أدريه وهو الوجود الذي أعياننا فيه ، ولذلك الوجود الخيالي يقول الحق له كن في الوجود العيني فيكون السامع هذا الأمر الإلهى وجودا عينيّا يدركه الحس ، وهنا حارت الألباب : هل الموصوف بالوجود المدرك بهذه الإدراكات العين الثابتة انتقلت من حال العدم إلى حال الوجود ؟ أم حكمها تعلق علقا ظهوريّا بعين الوجود الحق ، تعلق صورة المرئى في المرآة ، وهي في حال عدمها كما هي ثابتة ، فتدرك أعيان الممكنات بعضها بعضا في عين مرآة الوجود الحق ، والأعيان الثابتة هي على ما هي عليه من العدم .