وهكذا كل حال تكون فيه لا بد لك من الانتقال منه وتبقى مثل ما كنت عليه في خيالك المتصل وفي قوة كونه كان على الحقيقة في الخيال المنفصل ؛ إذ لو كان حقيقة ما تغير ولا انتقل ؛ فإن الحقائق لا تتبدل ، وحقيقة الخيال التبدل في كل حال والظهور في كل صورة ، فلا وجود حقيقي لا يقبل التبدل إلا اللّه فما في الوجود المحقق إلا اللّه ، وأما ما سواه فهو الوجود الخيال ، وأظهر الحق في هذا الوجود الخيالي ما يظهر فيه إلا بحسب حقيقته لا بذاته التي لها الوجود الحقيقي .
ولهذا جاء الحديث الصحيح بتحولة في الصورة في تجليه لعباده وهو قوله « 1 » :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
( القصص : 88 ) ، فإنه لا تبقى حالة أصلا في العالم لا كونية ولا إلهية إلا وجهه ؛ يريد ذاته إذ وجه ذاته لا يهلك ، فأين الصورة التي تحول فيها من الصورة التي تحول عنها ؟ هذا خط الصورة التي تحول عنها من نسبة الهلاك إليها .
فكل ما سوى ذات اللّه فهو في مقام الاستحالة السريعة والبطيئة ، فكل ما سوى ذات الحق خيال حامل وظل مائل ، فلا ينبغي كون في الدنيا والآخرة وما بينهما ولا روح ولا نفس ولا شيء مما سوى اللّه أعنى ذات الحق على حالة واحدة ، بل يتبدل من صورة إلى صورة « 2 » دائما أبدا ، وليس الخيال إلا هذا فهذا هو عين معقولية الخيال بأن
هامش
( 1 ) في قوله تعالى :كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُإخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم الذي تموت الخلائق ولا يموت ، كما قال اللّه تعالى :كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ، فعبر بالوجه عن الذات ، وهكذا قوله هاهنا :كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُأي إلا إياه .
وقد ثبت في الصحيحين من طريق أبى سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أصدق كلمة قالها الشاعر لبيد : ألا كل شيء ما خلال اللّه باطل » . وقال مجاهد والثوري في قوله تعالىكُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ: أي إلا ما أريد به وجهه ، وحكاه البخاري في صحيحة كالمقرر له . [ تفسير ابن كثير ( 3 / 417 ) ] .
( 2 ) يقول ابن عربي : إن في العالم الحسى والكون الثابت استحالات مع الأنفاس ، ولكن لا تدركها الأبصار ولا الحواس إلا في الكلام خاصة وفي الحركات ، وأصل ذلك كله أعنى أصل التغير من صورة إلى مثلها أو خلافها لتغير الأصل الذي يمده وهو التحول الإلهى في الصور -