والسبعين في النوع السادس من علوم المعرفة ، وهو علم الخيال وعالمه المتصل والمنفصل ، وهذا ركن عظيم من أركان المعرفة إذا لم يحصل للعارفين فما عندهم من المعرفة رائحة ، قال : « ثم إنه يؤيد ما ذكرناه إنك لا تشك إنك مدرك لما أدركته أنه حق محسوس لما تعلق به الحس ، وأن الحديث الوارد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله : « الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا » « 1 » ، فبين صلى اللّه عليه وسلم أن ما أدركتموه في هذه الدار هو مثل إدراك النائم ، بل هو إدراك النائم في النوم ، وهو خيال ولا شك أن الناس في البرزخ بين هذه الدار والدار الآخرة هو مقام الخيال بانتباهك بالموت هو كمن يرى أنه استيقظ في النوم في حال نومه فيقول في النوم : رأيت كذا وكذا وهو يظن أنه استيقظ ويعضد هذا الخبر قوله تعالى في حق الميت كذا :
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
« 2 » ( ق : 22 ) . أي تدرك ما لم تكن أدركته بالموت ، فهو يقظة بالنسبة لما كنت عليه في حال الحياة الدنيا ، ثم إذا بعثت في النشأة الآخرة يقول المبعوث :
مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا
« 3 » ( يس : 52 ) ، فكان كونه في مدة موته كالنائم في حال نومه مع كون الشارع سماه يقظة .
هامش
( 1 ) رواه العراقي في المغنى عن حمل الأسفار ( 4 / 23 ) ، والعجلوني في كشف الخفا ( 2 / 432 ) ، وذكره الألبانى في سلسلة الأحاديث الضعيفة رقم ( 102 ) .
( 2 ) وفي معناها قال ابن كثير : المراد بذلك الكافر ، وقول آخر : المراد بذلك كل أحد من بر وفاجر ؛ لأن الآخرة بالنسبة إلى الدنيا كاليقظة والدنيا كالمنام وهذا اختيار ابن جرير .
وقيل : المخاطب به هو النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والمعنى : لقد كنت في غفلة من هذا القرآن قبل أن يوحى إليك ، فكشفنا عنك غطاءك بإنزاله إليك ، فبصرك اليوم حديد ، والظاهر من السياق خلاف هذا ، والمعنى :
أي بصرك قوى ؛ لأن كل أحد يوم القيامة يكون مستبصرا ، حتى الكفار في الدنيا يكونون يوم القيامة على الاستقامة لكن لا ينفعهم ذلك . [ انظر : تفسير ابن كثير مختصرا ( 4 / 225 ) ] .
( 3 ) يعنون قبورهم التي كانوا يعتقدون في الدار الدنيا أنهم لا يبعثون منها فلما عاينوا ما كذبوا به في محشرهم قالوا : يا ويلناقالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا، وهذا لا ينفى عذابهم في قبورهم لأنه بالنسبة إلى ما بعده في الشدة كالرقاد ، قال أبي بن كعب رضي اللّه عنه ومجاهد والحسن وقتادة : ينامون نومة قبل البعث ، وقال قتادة : وذلك بين النفختين ، فلذلك يقولون : من بعثنا من مرقدنا ، فإذا قالوا ذلك أجابهم المؤمنون - قاله غير واحد من السلف - :هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ، وقال الحسن : إنما يجيبهم بذلك الملائكة . [ تفسير ابن كثير ( 3 / 593 ) ] .