الأخرى باعتبار مرتبة العدد التي عد لها وهو في نفسه لا غير ، فانظر سريان الواحد في مراتب الأعداد من غير أن يتغير عن كونه واحدا ، وإنما تلك المرتبة مرتبة له واعتبار من الاعتبارات ، وليس الواحد من مراتب الأعداد ؛ لأنه ليس بعدد ، وأما الثاني فإنه الواحد لا زائد عليه غير أنه في مرتبة أولى من مراتب الأعداد ، وكذلك الثالث هو الواحد أيضا « 1 » ؛ ولكنه في مرتبة أخرى من مراتب الأعداد غير المرتبة التي قبله ، وهكذا الرابع والخامس والسادس والسابع إلى ما لا نهاية له من المراتب والواحد هو المعدود بهذه المراتب كلها من غير أن يتغير هو بنفسه عن كونه واحدا ، وإنما تغيرت المراتب واختلفت من حيث هي مراتب فقط ، وكذلك هنا هذا الوجود الواحد الحق قامت به كل مرتبة من مراتب الحوادث ، وكل الحوادث مراتب فقط قائمة بالوجود الحق وهو نازل بها وهي مختلفة متغيرة متبدلة ؛ لأنها لا نهاية لها وهو على ما هو عليه في نفسه أزلا وأبدا ، وذكر الشيخ الأكبر رضي اللّه عنه في الفتوحات المكية في الباب الحادي والثلاثين ومائة في مقام ترك العبودية من حضرة التحقيق « 2 » ، قال :
« لا يصح ترك العبودية « 3 » إلا عند من يرى أن عين الممكنات باقية على أصلها
هامش
( 1 ) وهذا كلام فلسفي يتنافى مع العلم والأصول مما دفع الكثير من العلماء في مهاجمة علماء الفلسفة والمنطق ، ومنهم علماء كبار قدمنا جانبا منه في تحقيقنا لهذا الكتاب في أوله ، وكان منهم ابن الصلاح والسيوطي وابن تيمية والصنعاني وابن القيم الجوزية ، والذي قال في كتابه مفتاح السعادة ( 1 / 157 - 158 ) في نقضه للمنطق : لو كان علما صحيحا لكانت غايته أن يكون كالمساحة والهندسة ونحوهما ؛ فكيف وباطله أضعاف حقه وفساده وتنافض أصوله واختلاف مبانيه توجب مراعاتها الذهن أن يزيغ في فكره ولا يؤمن بهذا إلا من قد عرفه وعرف فساده وتناقضه ومناقضة كثير منه للعقل الصريح .
( 2 ) يقول اللّه تعالى :وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ( الحجر : 99 ) ، وفي معناها يقول ابن كثير في تفسيره ( 2 / 577 ) : وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة وعبد اللّه بن عمر وعبد الرحمن بن زيد وغيره ، والدليل على ذلك قوله تعالى إخبارا عن أهل النار أنهم قالوا :لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ.
( 3 ) روى البخاري في صحيحه عن عمران بن حصين - رضى اللّه عنهما - أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال :
« صلّ قائما ، فإن لم تستطع فقاعدا ، فإن لم تستطع فعلى جنب » ، ويستدل به على تخطئة -