ظهرت من ذلك العقل قوة الإضافة المذكورة فنظر العقل الأول إلى نفسه ، وليست نفسه غير الخيال المطلق الذي هو العماء المذكور ، فانصبغ بالوجود المطلق العقل في نفسه ، وكل ما هو تابع له من ذلك الخيال المطلق والعرش ، وما يحتوى عليه ، والأرض وما فيها من الأصول والطباع ، والسماوات وما اشتملت عليه من الأفلاك والأملاك وجميع المولدات ، وكل ذلك الانصباغ بالوجود المطلق لاعتبار الإضافة المذكورة إلى الوجود المطلق الذي هو اللّه تعالى كما قال سبحانه :
صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ
« 1 » ( البقرة : 138 ) . ومن المعلوم أن كل ذرة من ذرات ما اشتمل عليه العماء الذي هو الخيال المطلق مقابلة للوجود المطلق في حضرة الأزل ؛ حيث هي معدومة بالعدم الأصلي من اعتبار أن الوجود المطلق هو العلم الإلهى المحيط بكل شئ ، والقيوم « 2 » على كل شئ .
وما ذلك إلا لأن الوجود المطلق بنفسه بعلم هو عين الوجود المطلق كما ذكرنا ، فاقتص ذلك العلم « 3 » بنفسه الذي هو عين نفسه تعين ما اشتمل عليه العماء من جميع ما هو داخل في الخيال المطلق من الأشياء التي لا تتناهى وكل شيء منها مستند إلى الوجود المطلق ؛ لأنه خالقه في الأزل ، ومدبره وناقله من حال إلى حال ؛ وذلك لأن جميع الحضرات
هامش
( 1 ) وفي معناها : قال الضحاك عن ابن عباس في قوله :صِبْغَةَ اللَّهِدين اللّه ، وكذا روى عن مجاهد وأبى العالية وعكرمة وإبراهيم والحسن وقتادة والضحاك وعبد اللّه بن كثير وعطية العوفي والربيع بن أنس والسدى نحو ذلك ، وانتصاب صبغة اللّه إما على الإغراء كقوله :فِطْرَتَ اللَّهِ؛ أي الزموا ذلك عليكموه ، وقال بعضهم بدلا من قوله :مِلَّةِ إِبْراهِيمَ *.
[ تفسير ابن كثير ( 1 / 188 ) ] .
( 2 ) وفي معنى قوله تعالى :اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ *قال ابن كثير في تفسيره ( 1 / 308 ) :
إخبار بأنه المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق ، وهو الحي في نفسه الذي لا يموت أبدا القيم لغيره ، وكان عمر يقرأ القيام فجميع الموجودات مفتقرة إليه وهو غنى عنها ولا قوام لها بدون أمره .
( 3 ) علم اللّه صفة أزلية ، فعلمه سبحانه بنفسه وخلقه علم واحد غير منقسم ولا متعدد ولكنه يعلم نفسه بما هو له ، ويعلم خلقه بما هم عليه .
وقيل : علم اللّه سبحانه بذاته نفس ذاته ؛ فالعالم والمعلوم واحد وهو الوجود الخاص ، ويسمى الحق عليما بنسب العلم إليه مطلقا ، وعالما بنسبة معلومية الأشياء إليه ، وعلاما بنسبة العلم ومعلومية الأشياء إليه معا . [ المعجم الصوفي ( 178 ) ] .