في كل تعين على حسبه فكثر ، وهو واحد كما كثر الوجود وهو واحد ، فنقول : إن الخيال المطلق ، الذي هو العماء تعينت فيه إلا جميع صور الأشياء « 1 » المحسوسة والمعقولة ، مرتبة بعضها على بعض من التقديم والتأخير إلى ما لا نهاية له .
فكينونة الحق فيه كناية عن تعينه الحق مع ما هو فيه من جميع الأحوال المترتبة ، وليس هو الحق سبحانه ، بل الحق فيه « 2 » .
كما ورد بتعينه له بعلمه تعالى الذي هو الوجود المطلق ، فالجود المطلق معين له ، ولكل شيء منه إلى الأبد ، وهذه الكينونة الأولى للحق تعالى ، ثم الكينونة الثانية التي للحق تعالى ، الذي هو الجود من اعتبار أنه قدرة اللّه تعالى ، هي الكينونة في العرش من قوله تعالى :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
( طه : 5 ) . وهي كناية عن إضافة الوجود الحق من اعتبار أنه الرحمن مع بقية الأسماء إلى العرش « 3 » الذي هو متعين في العماء بأنه خيال مطلق ، ثم الكينونة الثالثة كينونة الأرض بإضافة الوجود المطلق إليها من اعتبار أنه الإله الجامع للأسماء ، والأرض هنا هي مجموعة الطبائع والعناصر ، ثم الكينونة الرابعة
هامش
( 1 ) جماعة من المتأخرين زادوا على ما قاله السلف فقالوا : لا بد من إجرائها على ظاهرها فوقعوا في التشبيه الصرف على خلاف ما اعتقده السلف ، وكان التشبيه الصرف من اليهود وخاصة في جماعة القرائين ؛ إذ وجدوا في التوراة ألفاظا كثيرة تدل عليه .
ووقع الشيعة في الغلو والتقصير ؛ والغلو تشبيه بعض أئمتهم بالإله ، والتقصير تشبيه الإله بواحد من الخلق . ( موسوعة الفرق والجماعات ، ( 276 ) ] .
( 2 ) قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري : من شبه اللّه بخلقه كفر ومن جحد ما وصف اللّه به نفسه فقد كفر ، وليس فيما وصف اللّه به نفسه ولا رسوله تشبيه ، فمن أثبت للّه تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال اللّه ، ونفى عن اللّه تعالى النقائض ، فقد سلك سبيل الهدى . [ تفسير ابن كثير ( 2 / 226 ) ] .
( 3 ) لم يتعرض السلف للتأويل ولا تهدفوا التشبيه ومنهم مالك بن أنس إمام دار الهجرة - رحمه اللّه تعالى - إذ قال في معنى هذه الآية :الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى: الاستواء معلوم ، والكيفية مجهولة والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعه .
ومنهم الإمام أحمد بن حنبل وسفيان الثوري وداود بن علي الأصفهاني ومن تابعهم .
[ موسوعة المذاهب والفرق ( 276 ) ، طبعة دار الرشاد ] .