المطلق المذكور فهو علم باعتبار ، وذات باعتبار ، وقدرة باعتبار « 1 » ، وهكذا كما سنبينه ونوضحه .
[ ورود الحديث في أول كينونة كان فيها ربنا قبل خلق خلقه ]
وصل : اعلم أن هذا التعين الذي ذكرناه للأشياء كلها المحسوسات والمعقولات إلى ما لا نهاية له بعلم اللّه تعالى الذي هو الوجود المطلق لا في علمه سبحانه ؛ إنما ذلك التعيين هو الخيال المطلق المسمى بالعماء ، الذي هو أول كينونة كان فيها ربنا عز وجلّ « 2 » قبل خلق خلقه على حد ما ورد في الحديث الصحيح ، كما ذكره الشيخ الأكبر رضي اللّه عنه في الفتوحات المكية في الباب التاسع والسبعين ومائة ، قال : « وذلك أنه قيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه ؟ قال : « كان في عماء ، ما فوقه هواء ، وما تحته هواء » « 3 » . وإنما قال صلى اللّه عليه وسلم هذا من أجل أن العلماء عند العرب هو الحساب الرقيق
هامش
( 1 ) توحيد الإلهية ، هو الاعتقاد بأن اللّه تعالى هو الإله المعبود وحده وأنه لا معبود بحق سواه ، وإفراده بالعبادة ظاهرا وباطنا ، وصرف جميع أنواع الطاعات والقربات إليه وحده بحيث لا يكون شيء منها لغيره سبحانه ، واختصاصه وحده بالمحبة والخوف والرجاء والإنابة والدعاء والتوكل والتذلل والخضوع والإجلال والإكرام .
وتوحيد الإلهية هو التوحيد الذي أرسل اللّه به الرسل وأنزل به الكتب ، وهو أصل الدين الذي لا يقبل اللّه من الأولين والآخرين دينا غيره . [ مجموع فتاوى ابن تيمية ( 1 / 91 ، 154 ، 189 ، 365 ) ] .
( 2 ) قال في الفرق والجماعات ، ص 276 - طبعة دار الرشاد : في فرقة الصفاتية ، قال : كانوا يثبتون للّه تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعزة والعظمة ، ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل ، بل يسوقون الكلام سوقا واحدا ، وكذلك يثبتون صفات خبرية ، مثل : اليدين والوجه ، ولا يؤولون ذلك ، إلا أنهم يقولون : هذه الصفات قد وردت في الشرع فنسميها صفات خبرية ، ولما كانت المعتزلة ينفون الصفات والسلف يثبون ، سمى السلف صفاتية ، والمعتزلة معطلة .
( 3 ) أخرجه : ابن ماجة ( 182 ) في المقدمة ، 13 - باب فيما أنكرت الجهمية ، ولفظه : « حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح ، قالا : حدثنا يزيد بن هارون ، أنبأنا حماد بن سلمة ، عن يعلى بن عطاء ، عن وكيع بن حدس ، عن عمه أبو رزين قال : قلت : يا رسول اللّه ، أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه ؟ قال : « كان في عماء ، ما تحته هواء ، وما فوقه هواء ، وما ثم خلق عرشه على الماء » .
وبهامشه : عماء : العماء السحاب ، قال كثير من العلماء : هذا من حديث الصفات ، فنؤمن به ، ونكل علمه إلى عالمه ، ما تحته هواء « ما » نافيه لا موصولة ، وكذا قوله وما فوقه .