وإنما كان عن تجلّ إلهي لقلوبهم ، وفجأة من فجاءات الحق فجأتهم ، فذهبت بعقولهم ، فعقولهم محبوسة عنده ، منعمة بشهوده ، عاكفة في حضرته ، مترهة في جهالة ، فهم أصحاب عقول بلا عقول ، وعرفوا في الظاهر بالمجانين ؛ أي المستورين عن تدبير عقولهم ، فلهذا سموا عقلاء للمجانين « 1 » .
قيل لأبى السعود بن شبل البغدادي عاقل زمانه : ما تقول في عقلاء المجانين من أهل اللّه ؟ فقال رضي اللّه عنه : هم ملاح ، والعقلاء أملح منهم .
قيل له : فبما ذا يعرف مجانين الحق من غيرهم ؟ فقال : مجانين الحق يظهر عليهم آثار القدرة ، والعقلاء تشهد الحق بشهودهم ، ثم بسط الكلام في هذا المقال « 2 » .
وصل : اعلم أن الأشياء كلها المحسوسات والمعقولات إلى ما لا نهاية له أمور متعينة بعلم اللّه تعالى إذ لا من غير ابتداء لها في نفسها ، وهي في عدمها الأصلي على ما هي عليه ، لا هي متعينة في علم اللّه تعالى ؛ لأن علم اللّه تعالى لا يكون محلا للحوادث ولا
هامش
( 1 ) قال الشعراني في الطبقات الكبرى ( 1 / 85 ) : ومنهم بهلول المجنون ، اجتمع به هارون الرشيد ، فقال له الرشيد : كنت أشتهي رؤيتك من زمان . فقال : لكني أنا لم أشتق إليك قط . فقال له :
عظني . فقال : بم أعظك ؟ هذه قصورهم وهذه قبورهم ، ثم قال : كيف بك يا أمير المؤمنين إذا أقامك الحق تعالى بين يديه فسألك عن النقير والفتيل والقطمير وأنت عطشان جوعان عريان ، وأهل الموقف ينظرون إليك ويضحكون ، فخنقته العبرة ، وكان مجاب الدعوة ، وأمر له الرشيد بصرة فردها عليه ، وقال : ردها إلى من أخذتها منه قبل أن يطالبك بها أصحابها في الآخرة ، فلا تجد لهم شيئا ترضيهم به ، فبكى الرشيد .
( 2 ) هناك آراء متعددة ، ذكر عضد الدين الإيجي منها رأى يقول : إن اللّه لا يعلم نفسه ؛ لأن العلم نسبة ، والنسبة لا تكون إلا بين شيئين متغايرين هما طرفاها بالضرورة ، ونسبة الشيء إلى نفسه محال ؛ إذ لا تغاير هناك ، وينسب هذا الرأي للدهرية .
وذهب قدماء الفلاسفة إلى أنه لا يعلم شيئا أصلا وإلا علم نفسه ؛ إذ يعلم على تقدير كونه عالما بشيء أنه يعلمه ، وذلك يتضمن علمه بنفسه ، وذلك ممتنع كما قيل في الرأي الأول .
[ المواقف للإيجى ( 8 / 71 ، 72 ) ] .