وذلك أن للّه قوما كانت عقولهم محجوبة بما كانوا عليه من الأعمال التي كلفهم الحق تعالى في كتابه ، وعلى لسان رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، « التصوف فيها شرعا وشرعها لهم ، ولم يكن لهم علم بأن اللّه تعالى » « * » ، فجاءت لمن خلا به في سره وأطاعه في أمره وهيأ قلبه لنوره من حيث لا يشعر ، ففجأ الحق على غفلة منه بذلك وعدم علمه واستعداده لقابل أمره ، فذهب عقله في الذاهبين ، وأبقى تعالى ذلك الأمر الذي فاجأه مشهودا له ، فهام به ومضى معه ، فبقى فما عالم بروحه الحيواني يأكل ويشرب ويتصرف في ضروراته الحيوانية تصرف الحيوان المفطور على العلم بمنافعه المحسوسة ومضاره من غير تدبير ولا روية ولا فكر ، فينطلق بالحكمة ولا علم له بها ، ولا يقصد نفعك بها ؛ لتتعظ وتتذكر أن الأمور ليست بيدك ، إنك عبد مصرف بتصريف حكم سقط التكليف « 1 » عن هؤلاء ؛ إذ ليس لهم عقول يعيون بها ، ولا يفقهون بها :
وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
( الأعراف : 198 ) ، « خذ العفو » ؛ أي القليل مما يجرى اللّه على ألسنتهم من الحكم والمواعظ ، وهؤلاء هم الذين يسمون عقلاء المجانين « 2 » ، يريدون بذلك أن جنونهم ما كان سببه فساد مزاج عن أمر كونى من غذاء أو جوع وغير ذلك ؛
هامش
( * ) كذا بالأصل ، وهو مخالف لسياق الكلام ، وأعتقد أنه معكوس ، والصحيح : « ولم يكن لهم علم بأن اللّه تعالى شرعها لهم » .
( 1 ) أخرج ابن ماجة في سننه ( 2041 ) ، 10 - كتاب الطلاق ، 15 - باب طلاق المعتوه والصغير والنائم ، عن عائشة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « رفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصغير حتى يكبر ، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق » .
وقال أبو بكر في حديثه : « وعن المبتلى حتى يبرأ » .
( 2 ) من عقلاء المجانين بهلول بن عمرو ، وأبو وهب الصيرفي الكوفي ، قال الذهبي عنه في تاريخ الإسلام ، وفيات ( 181 - 190 ) : وسوس في عقله ، وما أظنه اختلط ، أو قد كان يصحو في وقت ، وهو معدود في عقلاء المجانين . له كلام حسن وحكايات وأشعار ، ومن أقواله :يا خاطب الدنيا إلى نفسه * تنح عن خطبتها تسلمإن التي تخطب غرارة * قريبة العرس إلى المأتم