من وجود رب الأرباب .
فإذا رجع إلى شهوده وتحقق بحقيقة وجوده وعرف سيئة مفقوده ، فقد رجع عن جميع الأشياء إلى معرفة معبوده ، وحصل على نهاية مطلوبه ومقصوده .
وقد ابتلاه اللّه تعالى بجميع ما لديه من الإدراك والأحوال والأعمال حتى يرجع إلى شهوده الأصلي ومعرفة الحقيقي . قال تعالى :
وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
( الأعراف : 168 ) « 1 » .
وقال تعالى :
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ
« 2 » ( الأنبياء : 35 ) .
فمتى وقف العقل المكلف صاحبه عند حال أو عمل مما حسن شرعا أو قبح فقد افتتن وامتحن وأنفر وانقطع عن اللّه تعالى ، ومتى صبر على هذا البلاء الذي ابتلى به من عمل الحسنات والسيئات والخير والشر ، راضيا بالحسنات وساخطا بالسيئات والشر ، وأقبل على ما يعنيه مما هو مطلوب منه من الاشتغال بمعرفة الوجود الحق المطلق الظاهر له بصورته وبجميع الصور المحسوسات والمعقولات على التنزيه التام كما قدرناه غير مرة في هذا الكتاب ، فقد أقبل على معرفة ما هو فوق طور العقل من العلم باللّه ، وللّه در الشيخ عمر بن الفارض رضي اللّه عنه « 3 » عنه في قوله :
ولا تك ممن طيسته دوسه * بحيث استقلت نفسه فاستغرب
فثم وراء العقل علم يدق عن * مدارك غايات العقول السليمة
هامش
( 1 ) أي اختبرناهم « بالحسنات والسيئات » ؛ أي بالرخاء والشدة والرغبة والرهبة والعافية والبلاء « لعلهم يرجعون » . [ تفسير ابن كثير ( 2 / 265 - 266 ) ] .
( 2 ) قال ابن كثير في تفسيره ( 3 / 183 ) : وقولهوَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ؛أي نختبركم بالمصائب تارة ، وبالنعم أخرى فننظر من يشكر ومن يكفر ومن يصبر ومن يقنط ، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس :وَنَبْلُوكُمْ، يقول : نبتليكم بالشر والخير فتنة ، بالشدة والرخاء والصحة والسقم والغنى والفقر والحلال والحرام والطاعة والمعصية والهدى والضلال ، وقوله :وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ؛ أي فنجازيكم بأعمالكم .
( 3 ) عمر بن الفارض ، ويسمى سلطان العاشقين ، وله أشعار كثيرة في الحب الإلهي ، توفى سنة ( 1093 ) .