تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الوجود — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
تلقيته عنى ومتى أخذته * ونفس كانت من عطائي ممدّتي
ومتى تلقيته عني ؛ أي عن الوجود الحق الذي أنا قائم به كما ذكرناه . وكذلك قوله : « ونفس كانت من عطائي ممدّتى » ، فإن نفس النفس هو الوجود الحق المطلق الظاهر بصورة النفس الإنسانية القائمة به سبحانه ، ولا حول ولا اتحاد ؛ إذ ليس في الوجود اثنينية « 1 » كما قررناه . فمتى شهد العقل وجوده ، العقل الذي هو قائم به وتجرد عن دعواه في نفسه ، وفي جميع الأشياء المحسوسة والمعقولة ، غاب العقل إن صدق في هذا الشهود ، وسقطت عنه التكاليف الشرعية والحدود ؛ لأنه يصير مختلط العقل ، فاسد التدبير ، ويظهر عليه هذا الأمر . وهي حالة أرباب الجذب . وقد عقد لهم الشيخ الأكبر في الفتوحات المكية بابا ؛ وهو الباب الرابع والأربعون ، وسماه باب البهاليل « * » ، وقال في أوله : يقول اللّه تعالى :
وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى
« 2 » ( الحج : 2 ) .
هامش
( 1 ) ليس في الحقيقة أثر للاثنينية في مذهب ابن عربي ، وكل ما يشعر بالاثنينية يجب تفسيره على أنه اثنينية اعتبارية ، فليس في الوجود في نظره إلا حقيقة واحدة ، إذا نظرنا إليها من جهة سميناها حقّا وفاعلا وخالقا ، وإذا نظرنا إليها من جهة أخرى سميناها خلقا وقابلا ومخلوقا ، وليس على وجه التحقيق في مذهبه خلق بمعنى الإيجاد من العدم ؛ إذ يستحيل على وجه التحقيق في مذهبه خلق بمعنى من العدم ؛ إذ يستحيل في اعتقاده الوجود عن العدم المحض ، وإنما أصل كل وجود وسبب كل وجود فيض إلهي دائم . [ التصوف الفلسفي ( 45 ) ، طبعة دار الحديث ] . ( * ) أعتقد أنه نسبة إلى بهلول بن عمرو - تأتى ترجمته قريبا - وكان في عصر هارون الرشيد وكان من عقلاء المجانين ، وترجم له الذهبي في تاريخ الإسلام ، فانظره . ( 2 ) وفي معنى هذه الآية قال ابن كثير في تفسيره ( 3 / 211 ) : أي من شدة الأمر الذي قد صاروا فيه قد دهشت عقولهم ، وغابت أذهانهم ، فمن رآهم حسب أنهم سكارىوَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ.