تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الوجود — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
فوجد العقل نفسه موجودا بعد ما كان مفقودا ، ثم إنه وجد الأشياء كلها ، المحسوسات والمعقولات ، كذلك موجودة مثل وجوده ، والتبس عليه بحقائق الأغيار حقيقة مشهودة حتى بلغ في عالمه الجسماني تمام الخليقة ، واستحكم فيه السر الروحاني . ورد عليه خطاب اللّه تعالى على ألسنة الأنبياء « 1 » والمرسلين ، ونزلت في حقه الكتب الإلهية بالأمر والنهى في شرائع الدين . وقد كلفه اللّه تعالى من الإيمان الإجمالي بقوله :
قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا
الآية ( البقرة : 136 ) . ومن العمل بمقتضى قوله تعالى :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
( التغابن : 16 ) . فيسر اللّه تعالى عليه ولم يعسر ، فقال تعالى :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
« 2 » ( البقرة : 185 ) . وقال اللّه تعالى :
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
( الحج : 78 ) . والمقصود من ذلك التكليف والخطاب إرجاع العقل إلى ما كان يشهد في أصل فطرته
هامش
( 1 ) جميع الأنبياء يعطون للعقل قيمته ، بيد أنهم يجعلونه في منزلة تالية للوحي . أما الفلاسفة فإنهم على النقيض من ذلك ، فغالبيتهم تؤمن بالعقل بالدرجة الأولى ، حتى فلاسفة المدرسة الفلسفية في الفكر الإسلامي ومعارف الوحي غير تالية له ، والبعض يؤمن بالعقل بالدرجة الأولى ، ولا شيء غيره ، ومعارف الوحي غير ثابتة له فينكرها ؛ أي بعض الفلاسفة يثبت الوحي وبعضهم لا يثبته ، فالفلسفة تحمل في نفسها هذه الآراء المتناقصة في الموضوع الواحد ، والنبوة منحة إلهية لا يمنح إياها إلا من كان ذا عقل فريد ؛ أي أن النبي مفكر وعاقل ، ويعترف بالعقل ، غير أنه لا يعترف أنه مصدر الوحي . ( 2 ) قال الإمام أحمد بن حنبل بسنده عن أبي قتادة عن الأعرابي الذي سمع النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إن خير دينكم أيسره ، إن خير دينكم أيسره » . وعن أنس بن مالك قال : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « يسروا ولا تعسروا ، وسكنوا ولا تنفروا » ، أخرجاه في الصحيحين ، وفيهما أيضا أنه قال لمعاذ وأبى موسى حين بعثهما لليمن : « بشرا ولا تنفرا ، ويسرا ولا تعسرا ، وتطاوعا ولا تختلفا » . ( ابن كثير مختصرا : 1 / 217 ) .