لأن الظلمة تنمحى بمقابلة النور « 1 » ، لكن التوجه إلى خلق العقل هو توجه خاص يتحقق بمشاهدة أهل العناية من الخواص ، والتوجه يقتضى الوجه الوجودي والنور الشهودي ، وذلك هو الوجود المطلق بالإطلاق الحقيقي ؛ وهو الوجود الحق الواحد القديم لا إله إلا هو ، فلما حصل للعقل هذا التوجه التام بالوجه الوجودي العام لظهور التعريف وإيضاح إمكان التكليف ؛ إذ لا تكليف لغير قابل ، ولا خطاب من موجود إلا لموجود حاصل ، فألهمه سبحانه وتعالى دعوى الوجود بما أودع في فطرته من المعاينة والشهود لمن تجلى عليه بحقيقة الوجود « 2 » .
وقال تعالى :
فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
« 3 » ( الشمس : 8 ) .
هامش
( 1 ) قال الشهرستاني في كتابه الملل والنحل : الأنبياء أيدوا بأمداد روحانية لتقرير القسم العملي ، وبطرف ما من القسم العلمي ، والحكماء تعرضوا لأمداد عقلية ، تقرر للقسم العلمي ، وبطرف ما من القسم العملي ، فغاية الحكم هو أن يتجلى كل الكون يتشبه بالإله الحق تعالى بغاية الإمكان ، وغاية الدين أن يتجلى له نظام الكون ، فيقدر على ذلك مصالح العامة ؛ حتى يبقى نظام العالم ، وينتظم مصالح العباد ، وذلك لا يتأتى إلا بترغيب وترهيب ، وتشكيل وتخييل ، فكل ما وردت به أصحاب الشرائع والملل مقدر على ما ذكرناه عند الفلاسفة إلا من أخذ علمه من مشكاة النبوة ، فإنه ربما بلغ إلى حد التعظيم لهم ، وحسن الاعتقاد في كمال درجتهم .
( 2 ) زاوج ابن عربى بين الفكر والتصوف في ذاته ، فاتحدا بحيث يشرف كل منها على الآخر ، وليس هذا غريبا على القائل بعلم اليقين وعين اليقين ، فهو وإن كان قد توصل إلى الوحدة الوجودية بعلم اليقين ، غير أن دعائمها لم تترسخ إلا في عين اليقين .
وفي الواقع أن ابن عربى مفكر مقيد بالكتاب والسنة ، ولا يمكن أن يقال عنه مفكر حر .
فعلم اليقين عنده هو ثمرة التفكر بالكتاب والسنة ليس إلا ، فتكون وحدة الوجود عنده ثمرة تفكره في الكتاب والسنة . [ التصوف الفلسفي الإسلامي ( 52 - 53 ) ، طبعة دار الحديث ] .
( 3 ) وفي معنى هذه الآية قال ابن كثير في تفسيره ( 4 / 516 ) : أي فأرشدها إلى فجورها وتقواها ؛ أي بيّن ذلك لها وهداها إلى ما قدر لها .
وقال ابن عباس :فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها، بيّن لها الخير والشر ، وكذا قال مجاهد وقتادة والضحاك والثوري ، وقال سعيد بن جبير : ألهمها الخير والشر ، وقال ابن زيد : جعل فيها فجورها وتقواها .