كما سبق في هذا الحديث .
وفي رواية الديلمي في الفردوس ، عن عائشة - رضى اللّه عنها - قالت : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أول ما خلق اللّه العقل ، قال له : أقبل ، فأقبل ؛ ثم قال له : أدبر ، فأدبر ؛ ثم قال :
ما خلقت شيئا أعز علىّ منك ، بك آخذ ، وبك أعطى . . . إلى آخر الحديث » .
فإن للعقل « 1 » نورا يدرك به أمورا مخصوصة ، وللإيمان نورا يدرك به كل شيء ما لم يقم فيه مانع ، فبنور العقل تصل إلى معرفة الألوهية ، وما يجب لها ، وما يجوز ، وما يستحيل ، وبنور الإيمان يدرك العقل معرفة الذات « 2 » وما ينسب الحق إلى نفسه ، وللعقل ثلاثمائة وستين وجها يقابل كل وجه من جانب الحق العزيز ثلاثمائة وستين وجها ، كل منه يمده بعلم لا يعطيه الوجه الآخر ، فإذا كان العقل بهذه المثابة عند اللّه تعالى لا جرم جعله اللّه سببا لتكليف المكلفين وشرطا في خطابه تعالى بالأحكام الشرعية في هذا الدين ، وحيث فضّله اللّه تعالى بهذه الفضيلة ، واختصه بهذا الخصلة الجليلة ، لم يكن سبب ذلك إلا أنه سبحانه وتعالى أقبل عليه الإقبال المخصوص ، وتوجه على تكوينه هذا التوجه المسمى بالوجه في عبادات النصوص ، وإن شاركته جميع الأشياء في التوجه المذكور بحكم قوله تعالى :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
؛
هامش
قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لما خلق اللّه العقل قال له : أقبل ، فأقبل ، ثم قال له : أدبر ، فأدبر ، فقال : وعزتي وجلالي ، ما خلقت خلقا أعجب إلى منك ، بك آخذ وبك أعطي ، وبك الثواب وعليك العقاب » .
( 1 ) العقل معان مجتمعه في الذهن ، تكون مقدمات تستنبط بها المصالح والأغراض .
وهو هيئة محمودة للإنسان في حركاته وسكناته وكلامه واختياره . [ ابن سينا في رسالة في الحدود ( 55 ) ] .
( 2 ) العقل قوة في الإنسان تدرك طوائف من المعارف اللامادية ، فيدرك العقل ماهيات الماديات ؛ أي كنهها ، لا ظاهرها ، ويدرك معاني عامة : كالوجود ، والجوهر ، والعرض ، والعلية والمعلولية ، والغاية والوسيلة ، والخير والشر ، والفضيلة والرذيلة ، والحق والباطل ، كما يستدل بالمحسوس على المعقول ، أو بالمعلول البادى للحواس على العلة الخفية عليها . ( التهانوى في كشاف اصطلاحات الفنون : 2 / 1026 ) .