من وضع المسألة في الكتاب وعلمها ، استوى هو ومصنفه في معرفة تلك المسألة ، فنال بها ما ناله المصنف ، وما ورد عن بعض الأولياء من منع من بعض تلامذته من مطالعة كتب الحقيقة ، فلا شرافة على قصور ذلك المريد عن فهمها ؛ لأن قاصر الفهم إما أن يتأول كلامهم على غير مرادهم فيستعمله فيهلك ، أو يضيع عمره في تصفح الكتب بلا فائدة ، وأما من له فهم وقوة إيمان وإتقان وإذعان ، فيأخذ من كتبهم مأخذا ، وينال منها كل مطلب .
قال : وقد رأيت في زماننا طوائف كثيرة من كل جنس من عرب وفرس وهند وغيرهم ، بلغوا بمطالعة كتب الحقيقة مبلغ الرجال ، ونالوا بها مقاصد الآمال « 1 » ، فمن منهم أضاف بعد ذلك إلى علمه فضلة سلوك واجتهاد صار من الكمل ، وقال : رأيت صبيانا من أهل الطريق من إخواني بلغوا بمطالعة الكتب في أيام قليلة ما لم يبلغه رجال باجتهادهم أربعين سنة أو خمسين سنة ، على أنهم كانوا سببا لدخول أولئك الصبيان إلى الطريق ، لكنهم لما وقفوا مع سلوكهم وسار أولئك الصبيان في مطالعة الكتب وفهمها تأخروا عن مداهم ، فصار الصبيان شيوخا والشيوخ صبيانا ، فمطالعة الكتب عند المحققين أفضل من أعمال السالكين ، ومجالسة أهل اللّه تعالى مع الأدب أفضل من مطالعة الكتب ، فعليك بملازمة
هامش
قلب شيخه عليه ، لما هو عليه من شدة الأدب والسياسة والمحبة لشيخه ، ومن علامات الكاذب الاعتراض على شيخه ولو بقلبه ، وأجمع الأشياخ كلهم على أن عقوق الأستاذ لا توبة عنها ، فكل من صحب شيخا واعترض عليه فقد نقض عقد الصحبة ، وخرج عن طريقته ، وانقطعت العلاقة بينهما ، وهذا كلام فيه نظر .
( 1 ) تعتمد أقوال الصوفية على تجاربهم الخاصة ، بمعنى أننا لا نجد رأيا في الآراء الصوفية إلا ويمكن أن يعد على وجه ما ثمرة لخضوع صاحبه للرياضيات والمجاهدات الروحية ، ولما اعتور نفسه من الأحوال والمقامات .
كما أن اليقين عندهم يتمثل في مطالعات القلوب والمشاهدة ، فكل ما رأته العيون نسب إلى العلم ، وما علمته القلوب نسب إلى اليقين . [ الرسالة القشيرية ( 83 ) ] .