فإذا سلك مسالك العارفين ، وعمل بعلم الأخلاق ، وتخلق بالأحوال المرضية ، واجتنب رذائل الأخلاق ؛ حتى استفاد قلبه ، وانصقلت مرآة عقله على يد شيخ كامل إن وجده - والمشايخ « 1 » الكاملون لا يخلو كل زمان منهم - فإنه يسعد السعادة الأبدية ، وتنفتح له خزائن الجود الإلهي ، فيعرف حقيقة التقوى ، ويتحقق بمعرفة اللّه تعالى ومعرفة كل شيء المعرفة التامة ؛ حيث يتولى اللّه تعليمه كما قال اللّه تعالى :
وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
( البقرة : 282 ) .
وقال الشيخ أبو القاسم الجنيد - قدس اللّه سره - : « المريد الصادق غنى عن علم العلماء » .
وإن لم يجد شيخا مرشدا « 2 » بسبب التباس الناس عليه من كثرة الفتن ، واشتداد
هامش
( 1 ) يقول السبكي في العهد الوثيق لمن أراد سلوك أحسن طريق ( 83 ) ما يلي :
يجلس المريد بحضرة الشيخ كجلوسه للصلاة ، ويحرز ولا يديم النظر على وجهه ، فمن أدمن النظر إلى وجه شيخه فقد خلع رقبة الحياء من عنقه ، وربما حرم بركته .
ويجتهد المريد في إكرام من يلوذ بالشيخ ، ولا سيما أولاده ، إذا غاب ، وأن لا يتغير المريد على شيخه إذا نقصه بين إخوانه أو فعل به أي فعل ؛ لأن الشيخ لا يفعل مع المريد ذلك إلا لمصلحة يقصر عن إدراكها عقله .
واستمر إلى آخر كلامه الذي يلزم النظر فيه .
( 2 ) ورد في كتاب « تحفة الإخوان في آداب الطريق » لأحمد الدردير ( 38 ) قصيدة تحث المريد على التأدب مع شيخه ، منها ما يلي :إن كنت تقصد أن تحظى بصحبته * فاسلك على سنن طابت مساعيهواخلص ودادك صدقا في محبته * والزم ثرى بابه واعكف بناديهواستغرق العمر في آداب صحبته * وحصل الدر والياقوت من فيهوابذل قواك وبادر في أوامره * إلى الوفاق وبالغ في مراضيهواحذر بجهدك أن تأتى ولو خطأ * ما لا يجب وباعد عن مناهيهإلى آخر قصيدته التي تحتاج إلى نظر فيها .