فالواجب اللازم على كل مكلف أن يصدق التصديق الجازم بجميع ما ورد في الكتاب والسنة ، وأجمعت عليه الأمة من الإخبار عن اللّه تعالى وعن رسله وأنبيائه ، ويعمل بما يستطيعه من العمل بمقتضى ذلك على حسب ما يظهر لعقله من ذلك نصوص الكتاب والسنة إن كان فيه أهلية بمعرفة القواعد والأصول في اللغة العربية ، وإلا فيلزم تقليد أحد من العلماء بذلك مما تقدم أو تأخر ، ولم يشهد الآن سوى مذاهب الأئمة الأربعة رضي اللّه عنهم « 1 » .
فعليه أن يقلد واحدا منهم في العمل ، وأما في الاعتقاد فعليه بالإيمان الإجمالي كما ذكرنا . هذا ما دام ناظرا بعقله ، وهي طريق الاجتهاد « 2 » .
هامش
( 1 ) حكى ابن القيم الجوزية عن أحمد بن حنبل أنه قال : « لا تقلدني ، ولا تقلد مالكا ، ولا الثوري ، ولا الأوزاعي ، وخذ من حيث أخذوا » .
قال : ومن قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال ، وحكى بشر بن الوليد عن أبي يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة أنه قال : لا يحل لأحد أن يقول بمقالتنا حتى يعلم من أين قلنا .
وكذا قال الإمام أبو حنيفة ، وقد صح عن الشافعي أنه قال : أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد ، وتواتر عنه أنه قال : « إذا أصح الحديث فاضربوا بقولي الحائط » . [ قطر الولي على حديث الولي للشوكاني ( 140 - 141 ) ، من تحقيقنا ، طبعة دار الكتب العلمية ] .
( 2 ) قال النووي في شرح مسلم ( 12 / 13 ، 14 ) في حديث « إن أصاب المجتهد فله أجران ، وإن أخطأ فله أجر » : اختلف العلماء في أن هل كل مجتهد مصيب ، أم المصيب واحد ؟ وهو وافق الحكم الذي عند اللّه تعالى ، والآخر مخطئ لا إثم عليه لعذره ، والأصح عند الشافعي وأصحابه أن المصيب واحد ، وقد استجاب الطائفتان لهذا الحديث ، وأما الأولون القائلون كل مجتهد نصيب فقالوا : قد جعل للمجتهد أجر ، فلو لا إصابته لم يكن له أجر ، وأما الآخرون فقالوا :
سماه مخطئا ، ولو كان مصيبا لم يسمه مخطئا ، وأما الأجر فإنه حصل له على تعبه في الاجتهاد ، قال الأولون : إنما سماه مخطئا ؛ لأنه محمول على من أخطأ النص أو اجتهد فيها ، لا يسوغ فيه الاجتهاد كالمجمع عليه وغيره ، وهذا الاختلاف إنما هو في الاجتهاد في الفروع ، أما الأصول فالمصيب فيها واحد بإجماع من يعتد به .