ويقصر عنها الإحساس » « 1 » .
وقال الشيخ الأكبر - قدس اللّه سره - في مقدمة الفتوحات المكية : « إن للعقول حدّا تقف عنده من حيث ما هي مفكرة لا من حيث ما هي قابلة ، فنقول في الأمر الذي يستحيل عقلا ، قد لا يستحيل نسبة إلهية ، كما تقول فيما لا يجوز عقلا « 2 » ، قد يستحيل نسبة إلهية ، وقال صدر الدين القونوي - قدس اللّه سره - : « إن للعقول حدّا تقف عنده من حيث هي مقيدة بأفكارها ، فقد تحكم باستحالة أشياء كثيرة هي عند أصحاب العقول المطلقة من القيود المذكورة من قبيل الممكنة ، بل واجبة الوقوع ؛ لأنه حد للعقول المطلقة تقف عنده ، بل تترقى دائما ، فتتلقى من الجهات العلية والخطرات الإلهية « 3 » ، وعلى الجملة :
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
انتهى .
هامش
( 1 ) إلى جانب العقل يوجد في الإنسان إرادة ؛ إذ إن كل مدرك فهو يحرك في المدرك ميلا أو نزوعا يخرج به من القوة إلى الفعل ، والمدرك بالفعل مجرد كلى مغاير بالجنس للمشخص الجزئي المدرك بالحواس .
وهل الإرادة أعلى من العقل ؟ أو العقل أعلى من الإرادة ؟ ليست هذه المسألة مدرسية وحسب ، كما قد يظن كثيرون ، ولكن لها أهمية في ذاتها ، وأهمية بالنسبة إلى معرفتنا باللّه ومحبتنا إياه ، قلنا لا يراد إلا المعلوم ، والعقل هو الذي يتمثل موضوع الإرادة ، ويعرضه عليها فيحركها كعلة غائبة .
( 2 ) العقل هو ما يعلم حقيقة الشيء على ما هو عليه ، ولا يقبل من الحس حكما ، ولا يحتكم إليه أبدا ، وإنما الحس عامل من عمال العقل ، ومتى استشير الحس في قضايا العقل فقد وضع الشيء في غير موضعه ، ومتى استشير العقل في أحكام الحس ، فقد وضع الشيء في موضعه . [ أبو حيان التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة ( 3 / 136 ) ] .
( 3 ) وقال التوحيدي في المقايسات ( 182 - 183 ) : قال أبو سليمان المنطقي عندما سئل : لم استغنى في نهاية المعقول عن الحس ، ولم يستغن في نهاية الحس عن العقل ؟
فقال : لأن المعقول في نهاية حس ، والحس يحتاج إلى ما ارتفع إليه ، ولا بد من حس يبين به الخلق في العموم ، ولا بد من عقل يوصل به إلى الباري على الخصوص ، والحس رائد ، ولكن يريد لمن هو أعلى منه ، والعقل مستريد ، لكنه يستريد ممن هو دونه .