قال : « فإذا رأيتهم فاعرفيهم » . وفي رواية : « فإذا رأيتموهم فاعرفوهم » ، قالها مرتين أو ثلاثا « 1 » . قال الترمذي : هو حديث حسن صحيح . فقد حث النبي صلى اللّه عليه وسلم على معرفتهم بأنهم على خلاف ما كان عليه السلف الماضون « 2 » من مجرد الإيمان حتى يأتي الكشف الإلهى والفيض الوهبي ، فالمراد به الداخلون في ذلك بالأفهام العقلية كما ذكرنا ، واللّه الموفق .
إن العقل إنما سمى عقلا بالمعنى المصدر ؛ أي : الربط ؛ لأنه يعقل الأشياء ؛ أي : يربطها بالوجود ، أو يربط الوجود بها ؛ ولهذا قال العارف باللّه تعالى سيدي على وفا المصري « 3 » - قدس اللّه سره : « سمى العقل عقلا لموضع التقييد التجديدى الذي هو شأنه ، ويسمى لنا من حيث تنزله لذلك في لبس الخلق الجديد ؛ لأن اللب متحجب بقشور
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي ( 2993 ) ، 48 - كتاب تفسير القرآن ، باب من سورة آل عمران ، عن عائشة - رضى اللّه عنها - .
وقد أخرجه البخاري ( 4547 ) ، 65 - كتاب تفسير القرآن ، بابمِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ.
ومسلم [ 1 - ( 2665 ) ] ، 47 - كتاب العلم ، 1 - باب النهى عن اتباع متشابه القرآن ، والتحذير من متبعه ، والنهى عن الاختلاف في القرآن .
( 2 ) قال الغزالي : الصحيح أن المحكم يرجع إلى معنيين : أحدهما : المكشوف المعنى ، الذي لا يتطرق إليه إشكال واحتمال ، والمتشابه ما يتعارض فيه الاحتمال .
والثاني : أن المحكم ما انتظم ترتيبه مفيدا ، إما ظاهرا وإما بتأويل ، وأما المتشابه فالأسماء المشتركة كالقدر ، وكالذي بيده عقدة النكاح ، وكاللمس ، فالأول متردد بين الحيض والطهر ، والثاني بين الولي والزوج ، والثالث بين الوطء والمس باليد ونحوها ، ويطلق على ما ورد في صفات اللّه تعالى ما يوهم ظاهره الجهة والتشبيه ، ويحتاج إلى تأويل . [ النووي في شرح مسلم ( 16 / 178 ) ] .
( 3 ) على محمد وفا المصري ، قال عنه الشعراني في كتابه الطبقات الكبرى ( 2 / 20 ) : كان في غاية الظرف والجمال ، لم ير في مصدر أجمل منه وجها ولا ثيابا ، وله نظم شائع وموشحات ظريفة ، سبك فيها أسرار الطريق ، وله عدة مؤلفات شريفة ، وله كلام عال في الأدب ، ووصايا نفيسة .
وكان مولده سنة ( 761 ) ، وتوفى سنة ( 801 ) .