الْبَصِيرُ
( الشورى : 11 ) ، ونحو ذلك مما هو محكم بمقتضى الآية الأولى ، فهو متشابه أيضا بمقتضى هذه الآية الثانية ، لا يقتضى في العقل صورة مفهومة منسوبة إلى اللّه تعالى ، كما اقتضى قوله تعالى :
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
( الفتح : 10 ) ، وقوله تعالى :
لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
( ص : 75 ) ، وقوله :
وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ
( الذاريات : 47 ) ، وقوله :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
( طه : 5 ) ، وقوله :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
( البقرة : 115 ) ، ونحو ذلك أنه تعالى له يد ، وله أيد ، كذا وله وجه ، وله استواء على العرش ، وذلك يقتضى صورة محسوسة منسوبة إلى اللّه تعالى الذي هو الوجود الحق المطلق القديم ، فالآية الأولى ؛ وهي قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ
( آل عمران : 7 ) « 1 » ، تقتضى نفى الصورة عنه تعالى بحسب المحسوس وإثبات الصور له تعالى بحسب المعقول ، والآية الثانية ؛ وهي قوله تعالى :
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ
( الزمر : 23 ) « 2 » ، تقتضى نفى الصورة عنه تعالى بحسب المحسوس والمعقول ؛ وهي معرفة الكاملين بربهم ؛ ولذلك وصفهم اللّه تعالى بعد ذلك في الآية الثانية بقوله تعالى :
تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ
( الزمر : 23 ) « 3 » ؛ يعنى من حيث تجلى ربهم عليهم بتلك الصور المحسوسة والمعقولة مع تنزيهه تعالى عن جميع ذلك ، ثم تلين قلوبهم وجلودهم إلى ذكر اللّه ؛ أي تذكرهم للّه الوجود الواحد الحق من حيث
هامش
( 1 ) في الاستواء على العرش قال ابن كثير ( 2 / 226 ) : للناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدّا ليس هذا موضع بسطها ، وإنما نسلك في هذا مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا ، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفى عن اللّه ؛ فإن اللّه لا يشبهه شيء من خلقه وليس كمثله شيء وهو السميع البصير .
( 2 ) هذا مدح من اللّه عز وجلّ لكتابه القرآن العظيم المنزل على رسوله الكريم ، قال اللّه تعالى :اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ، قال مجاهد : يعنى القرآن كله متشابه مثاني ، وقال قتادة : الآية تشبه الآية والحرف يشبه الحرف ، وقال الضحاك : مثاني ترديد القول ليفهموا عن ربهم تبارك وتعالى .
( 3 ) هذه صفة الأبرار عند سماع كلام الجبار المهيمن العزيز الغفار لما يفهمون منه من الوعد والوعيد والتخويف والتهديد ، تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف . [ تفسير ابن كثير ( 4 / 50 ) ] .