ثم قال تعالى :
وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ
« 1 » ؛ أي آيات أخر متشابهات ؛ أي مقتضية لوصف الوجود الحق سبحانه بشيء من الصور والأشخاص المحسوسة :
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
( آل عمران : 7 ) « 2 » ؛ أي ميل وانحراف عن معرفة الوجود الحق سبحانه ومعرفة أن يجوز أن يتجلى ويظهر في الصور من غير أن يتقيد إطلاقه الحقيقي بها كما ذكرنا :
فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ
« 3 » ؛ أي من الكتاب والسنة بأن يعتقدوا أن نسبة شيء من الصور والأشخاص إليه تعالى تقتضى أنه تعالى اختص بذلك وتقيد في ذاته وزال عنه إطلاقه الحقيقي في نفسه :
ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ
؛ أي طلبا للمخالفة للمنزهين في قولهم إن الوجود الحق تعالى مطلق بالإطلاق الحقيقي
وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ
« 4 » ؛ أي طلبا لوجودى آخر يؤول إليها نص الكتاب مما يغاير مقتضى ظاهر الكلام :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
؛ أي ما يؤول إليه المتشابه من الوجوه الصحيحة
هامش
( 1 )وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ؛ أي تحتمل دلالتها موافقة المحكم وقد تحتمل شيئا آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد ، وقد اختلفوا في المحكم والمتشابه فروى عن السلف عبارات كثيرة ، فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس - رضى اللّه عنهما - المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه ، وأحكامه ما يؤمر به ويعمل به . [ تفسير ابن كثير ( 1 / 344 ) ] .
( 2 ) أي ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل ،فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ؛ أي إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه ، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه ؛ لأنه دافع لهم وحجة عليهم . [ تفسير ابن كثير ( 1 / 345 ) ] .
( 3 ) قيل في المتشابهات : المنسوخة والمقدم والمؤخر والأمثال فيه والأقسام وما يؤمن به ولا يعمل به ، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ، وقيل : هي الحروف المقطعة في أوائل السور ، قاله مقاتل بن حيان .
وعن مجاهد المتشابهات يصدق بعضها بعضا ، وهذا إنما هو في تفسير قوله :كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ .[ تفسير ابن كثير ( 2 / 345 ) ] .
( 4 ) أي تحريفه على ما يريدون ، وقال مقاتل بن حيان والسدي : يبتغون أن يعلموا ما يكون وما عواقب الأشياء من القرآن ، وقد قال الإمام أحمد بسنده عن عائشة قالت : قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ . . .الآية إلى قوله :أُولُوا الْأَلْبابِ *، فقال : « إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى اللّه ، فاحذروهم » . [ ابن كثير في تفسيره ( 2 / 345 ) ] .