تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الوجود — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
التي لا تنافى الإطلاق الذاتي والتنزيه الحقيقي إلا اللّه تعالى الذي هو الوجود الحق المطلق الحقيقي على ما هو عليه في نفسه أزلا وأبدا ،
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
« 1 » ؛ وهم العارفون باللّه تعالى بأنه الوجود المطلق الحقيقي
يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ
؛ أي صدقنا بكتاب ربنا محكمه ومتشابهه ،
كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ
، جمع لب ؛ وهو العقل المستقيم الذي لا يخفى عليه لب الشيء ؛ أي باطنه ، وذلك وصف للراسخين في العلم أيضا بأنهم يتذكرون ذلك بتذكير اللّه تعالى لهم ، وفي الآية ذم لابتغاء الفتنة والتأويل ، كما ذكرنا ، فتعين أن يكون الممدوح هو ما يقوله الراسخون في العلم ، ويعرفونه من ذلك ، ويتحققون به ، وفي هذه الآية ما يقتضى أن بعض آيات القرآن محكم والبعض متشابه ، وهناك ما يقتضى أيضا أن الكل متشابه كما قال اللّه « 2 » :
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ
( الزمر : 23 ) « 3 » ، فأخبر تعالى أن الكتاب كله متشابه باعتبار أنه يقتضى المعاني المحسوسة والمعاني المعقولة في وصف الوجود الحق الواحد القديم ، ولا شك أن المعاني كلها صور وأشخاص ، وهي القائمة بالوجود الحق القديم كما ذكرنا ، وهو تنزيه الوجود الحق سبحانه عن الصور والأشخاص المعنوية أيضا ، فإن قوله تعالى :
وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
( الحديد : 3 ) ، وقوله :
عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
( التحريم : 8 ) ، وقوله تعالى :
فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ
( هود : 107 ) ، وقوله :
هُوَ الْحَيُّ
( البقرة : 255 ) ، وقوله :
وَهُوَ السَّمِيعُ
هامش
( 1 )وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ؛ لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار وإن لم يحيطوا علما بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه ، وعلى هذا فيكون قوله :يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ. وقال ابن أبي حاتم بسنده عن عبيد اللّه بن يزيد ، وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم أنسا وأبا أمامة وأبا الدرداء أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سئل عن الراسخين في العلم فقال : « من برت يمينه ، وصدق لسانه ، واستقام قلبه ، ومن عف بطنه وفرجه فذلك من الراسخين في العلم » . [ تفسير بن كثير ( 2 / 347 ) ] . ( 2 ) في تفسيرها قال ابن كثير : ذكروا أن المتشابه هو الكلام الذي يكون في سياق واحد ، والمثاني هو الكلام في شيئين متقابلين كصفة الجنة وصفة النار ، وذكر حال الأبرار وحال الفجار ونحو ذلك . [ ابن كثير ( 2 / 345 ، 4 / 50 ) ] . ( 3 ) انظر ما تقدم قبل هذا في تفسير سورة آل عمران .