تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الوجود — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
فإذا علمت أن الوجود المحض الحق القائم بنفسه المقوم لغيره من جميع الصور والأشخاص ، المحسوسات « 1 » والمعقولات ، من غير أن يتغير ولا يتبدل عما هو عليه من أنه وجود محض حق قديم ، فإن الوجود المطلق بالإطلاق الحقيقي كما قدمناه لا تفيده صورة التجلي ، إذن لا صورة له أصلية من ذاته ، فلا تقتضى ذاته صورة خاصة من حيث هي ذاته حتى يلزم تقيده بها ، ولا يمكنه أن يتجلى في صورة أخرى غيرها ؛ لأنه انحصر في الصورة الأولى وتقيد بها ، وذلك ينافي إطلاقه ، فقد صدق عليه سبحانه قوله :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
( الشورى : 11 ) ، وذلك من حيث إطلاقه تعالى الإطلاق الحقيقي المنزه عن مشابهة كل شيء ؛ لأنه الوجود الحق الواحد القديم ، وصدق عليه تعالى أيضا قوله :
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
( الشورى : 11 ) ، بصيغة الحصر ؛ أي لا غيره سميع ولا بصير ، وهو ظهوره تعالى وتجليه كل صورة من الصور الموصوفة بأنه سميع بصير ، وقال اللّه تعالى يخاطب نبيه صلى اللّه عليه وسلم :
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ
( آل عمران : 7 ) « 2 » ؛ أي أصله ، والمراد بها الآيات المقتضية لتنزيه الوجود القديم الحق عن جميع الصور والأشخاص المحسوسة والآيات التي هي مقتضية لذلك هي الأصل في أوصاف الحضرة الوجودية القديمة الأزلية التي هي حضرة الحق سبحانه وتعالى .
هامش
( 1 ) لم يقل ابن عربى في العالم المحسوس ما قاله أفلاطون وأفلوطين من بعده من حيث إنهما انتهيا إلى العالم المحسوس عالم الأشباح والصور . . . إلخ ، وإنما أراد أن يؤكد : 1 - أن الأصل في هذا العالم الوحدة لا الكثرة . 2 - أن هذه الكثرة تستمد وجودها من الوحدة . 3 - أن هذه الكثرة المشاهدة أمر ضروري ورئيسى لكي تتجلى من خلاله الوحدة الحقيقية الأصيلة ، وفي ذلك لم يميز بين الواحد والكثرة أو إن شئت بين الحق والخلق إلا تمييزا اعتباريّا . [ التصوف الفلسفي ( 43 ) ] . ( 2 ) يخبر اللّه تعالى أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب ؛ أي بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد ، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم ، فمن رد ما اشتبه إلى الواضح منه وحكم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى ، ومن عكس انعكس ؛ ولهذا قال تعالى :هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ؛ أي أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه .