والأشياء كلها قائمة به وثابتة بقيوميته عليها ، فإذا تقرر هذا وثبت فاعلم ما تذكره لك بعد ذلك ، واللّه يتولى هداك « 1 » .
[ القول بأن الوجود لا يتجزأ ]
وصل : اعلم أن اللّه تعالى كما ذكرنا بتعين أن يكون هو الوجود المحض الحق الواحد القديم ، الذي لا يتجزأ ، ولا ينقسم ، ولا يتعدد ، و
لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
( الإخلاص : 3 ، 4 ) « 2 » ، ليس له شكل يخصه ، ولا حد معين يحده ، ولا صورة مخصوصة هو محصور فيها ، وإلا لكان مقيدا مخلوقا حادثا ، وذلك محال على اللّه تعالى ، فهو وجود مطلق بالإطلاق الحقيقي عن الإطلاق المفهوم المعقول ، وعن جميع القيود ؛ لأنه مطلق بالإطلاق المضاف إلى فهم العقول حتى يكون مقيدا بكونه مطلقا ، فهو مطلق وليس مقيدا بكونه مطلقا ، فإن له الظهور والتجلي من حيث مراتب أسمائه وصفاته في جميع الصور والأشخاص التي يقدرها ويخترعها بقدرته وإرادته من غير أن يخرج عن إطلاقه المذكور أو يتغير أو يتبدل من حيث ما هو عليه في وجوده الحق الواحد القديم ، فإن الفاعل لا يتغير بأفعاله ، وكل الصور والأشخاص أفعاله ، وهو الوجود الواحد الحق القديم ، القائم على صورة ، وكل شخص في المحسوسات والمعقولات كما قال تعالى :
أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما
هامش
( 1 ) يرى ابن عربى أن الحق لا ينفصل عن الخلق وأن الخلق بدوره لا ينفصل عن الحق ؛ لأن الخلق ليس إلا الحق وقد تجلى في الخلق من خلال صفاته سبحانه ، وصور العالم لا يمكن زوال الحق عنها أصلا فحد الألوهية له بالحقيقة لا بالمجاز كما هو حد الإنسان إذا كان حيّا ، وكما أن ظاهر صورة الإنسان تثنى بلسانها على روحها ونفسها والمدبر لها ، كذلك جعل اللّه صورة العالم تسبح بحمده ولكن لا نفقه تسبيحهم . [ التصوف الفلسفي الإسلامي ( 44 ) ، طبعة دار الحديث ] .
( 2 ) أي ليس له ولد ولا والد ولا صاحبة ، قال مجاهد :وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌيعنى لا صاحبة له ، كما قال تعالى :بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ؛ أي هو مالك كل شيء وخالقه فكيف يكون له من خلقه نظير يساميه أو قريب يدانيه ، تعالى وتقدس وتنزه قال اللّه تعالى :وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا * تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً * وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً.
[ تفسير ابن كثير ( 4 / 570 ) ] .