تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الوجود — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
غير وجود اللّه تعالى ، وقامت بوجودها ذلك ، واللّه تعالى هو المنفرد بالغنى عن كل ما سواه ، وافتقار كل ما عداه إليه سبحانه ، ومن المعلوم أن هذه الحوادث لا بد لها من وجود تثبت به أعيانها في المحسوسات والمعقولات القديم لاستغنت عن وجود اللّه تعالى عنده بداهة نظر العقل والحس ، وإلا لكانت أعيانا غير ثابتة في بداهة نظر العقل والحس ، وذلك باطل لضرورة . فنثبت أنه لا بد للحوادث من وجود تثبت به أعيانها في المحسوسات والمعقولات ، ولو لم يكن ذلك الوجود الذي به جميع أعيان هذه الحوادث ثابتة هو الوجود الحق الواحد القديم « 1 » لكان وجودا آخر غيره قديما أو حادثا ، فإن كان قديما كان شريكا للوجود الحق عز وجلّ ، وإن كان حادثا لزم أن يكون اللّه تعالى أحدث شريكا له ، تقوم به هذه الحوادث المذكورة ، فإن قيل : إن هذه الحوادث كلها إنما هي قائمة وثابتة بالوجود الحق القديم وحده سبحانه ، ولكنها مع ذلك موصوفة بوجود حادث خلقه اللّه تعالى وجعله وصفها ، قلنا : إن أريد بذلك الوجود الحادث الذي خلقه اللّه تعالى للحوادث ، وجعله وصفها غير وجودها الذي هي قائمة به وثابتة به ، فإما أن يكون هو نفس أعيانها لا زيد على ذواتها ، فهو مذهب الأشعري « 2 » الذي ذكرناه من أن الوجود
هامش
( 1 ) يذهب الاثنا عشرية مذهب فلاسفة الإسلام في القول بوحدة الماهية والوجود في الذات الإلهية ، فواجب الوجود عندهم ماهيته عين وجوده ؛ بمعنى أنه لا ماهية له سوى الإنية أو الوجود المحض ، وهذا على خلاف الممكن فإن وجوده زائد على ماهيته ، يقول ابن المطهر الحلي : إن وجود واجب الوجود نفس حقيقته ، ويقول الحاج ميرزا الشعراني : « كل شيء سوى اللّه له ماهية واللّه تعالى وجود صرف لا ماهية له ، وهذا هو الفارق بين الممكن والواجب . [ مذاهب الفرق الكلامية ( 67 ) ] . ( 2 ) يقرر الأشعري أن الصفات ليست عين الذات ؛ بل هي زائدة على الذات قائمة بها دون أن يؤدى ذلك إلى القول بتعدد القدماء والوقوع في الشرك ؛ لأن الصفات قائمة بالذات لا بنفسها أي ليس لها وجود مستقل ، كما أن هذه الصفات ليست غير الذات فلا تغاير بين اللّه وصفاته ولا بين الصفات بعضها وبعض ، فإن معنى الغيرية عند الأشعري هو جواز مفارقة أحد الشيئين للآخر على وجه من الوجوه ، فالغيران موجودان مستقلان يتصور قيام أحدهما بذاته دون الآخر ، ولما كان اللّه سبحانه أزليّا أبديّا وصفاته كذلك فإنه لا يتصور انفصال بين الذات والصفات كما لا يتصور انفصال بين الصفات وبعضها البعض . [ مذاهب الفرق الكلامية ( 224 ) ] .
كتاب الوجود — صفحة 193 | عبد الغني ابن إسماعيل النابلسي / سيد يوسف احمد