معروض الوجود كزيد مثلا ، لا يمتاز في الخارج عن الوجود امتياز السواد عن الجسم الأسود ، وهذا لا يخالف الشيخ فيه أحد من العقلاء ؛ إذ ليس في زيد ما يشار إليه بأنه وجود زيد أي إشارة خارجية ، فلا خلاف بينه وبين المتكلمين ، فلا إشكال فيما ذهب إليه مع قوله بالجعل ، ولم يلزم عليه ما ذكره السائل كما لا يخفى ، وإن أريد بذلك الوجود الحادث الذي خلقه اللّه تعالى للحوادث « 1 » جعله وصفها غير وجودها الذي هي قائمة به وثابتة به ، ولا هو أيضا نفس أعيانها ، بل هو زائد عليها وأشخاصها كان ذلك مجرد وهم عقلي وسوست به الأفكار وتخيلته العقول القاصرة المطموسة الأنوار ؛ لأنه في بديهة العقل ما هناك إلا صور وأشخاص محسوسات ومعقولات قائمة بوجود هو المقوم لها بحيث إنه لو فارقها وزايلها لانعدمت في الحال ، ولم يبق منها شيء أصلا ، وأما إن كان هناك وجود للحوادث المحسوسة والمعقولة غير مقوم لها ولا هو قائم عليها منبت لها بحيث لو زايلها لمحة لزالت ، وليس هو نفس صورها وأشخاصها ، بل هو زائد على ذلك ، فهو أمر موجود يحكم به العقل القاصر ، ويتبعه الحس في الغافلين المنهمكين بأحوال الدنيا وغرورها ، فإذا ماتوا زال عنهم ذلك الوهم ، وتحققوا بالحق ، قال تعالى :
وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ
( النور : 25 ) ؛ أي المظهر بوجوده سبحانه كل شيء بصفة القيومية على الأشياء ، وقال تعالى :
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ
( الزمر : 47 ) « 2 » ؛ أي من أنه سبحانه عين الوجود الذي هم قائمون به ،
هامش
( 1 ) ما حقيقة موقف ابن عربى من الوحدة الوجودية ؟ وما نسبة التفكير النظري إلى الشهود الصوفي فيها ؟ وحدة وجود أم وحدة شهود ؟
ثم لا يلبث أن يقرر أنها وحدة وجود من حيث أنها لم تبرز في صيحة وجد ، بل كانت نتيجة باردة لتفكير نظري .
ويعود تردد الباحثين بين الوحدتين إلى أنهما تتطابقان في النتيجة فكلتاهما ترى أن الوجود الحقيقي واحد وهو اللّه ، ولكن صاحب وحدة الشهود يقولها في غمرة الحال ، على حين يدافع عنها ابن عربى في صحو العلماء وبرود النظريين . [ التصوف الفلسفي الإسلامي ( 50 ) ، طبعة دار الحديث ] .
( 2 ) أي ظهر لهم من اللّه من العذاب والنكال بهم ما لم يكن في بالهم ولا في حسابهم :وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا؛ أي وظهر لهم جزاء ما اكتسبوا في الدار الدنيا من المحارم والمآثم . [ تفسير ابن كثير ( 4 / 57 ) ] .