صحيحا لما ذكرناه كما قال اللّه تعالى : ومن آياته
. . . الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
« 1 » ؛ أي من أمثاله التي ضربها سبحانه وتعالى لمعرفة ظهوره بمخلوقاته كما قال :
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
( العنكبوت : 34 ) « 2 » .
هذا إن اعتبرنا الظهور للأشياء بحسب النظر العقلي ؛ حيث يبطن سبحانه وتعالى عنها ، فإن اعتبرنا الظهور له سبحانه وتعالى كانت الأشياء على ما هي عليه من عدمها الأصلي ، واللّه هو الظاهر وحده بالوجود الحق للوجود لا سواه ، واللّه بصير بالعباد ، إن اللّه تعالى الذي هو الوجود القديم الواحد الذي لا وجود سواه سبحانه يستحيل عليه تعالى أن يكون معه وجود آخر غيره ؛ لأنه يستحيل عليه تعالى الشريك والشبيه والمثيل « 3 » ، خصوصا على زعم من يقول : إن الحوادث لها وجود آخر غير وجود اللّه تعالى مقوم لها ، وهي قائمه به ، ثم يدعى أنه موجد للوجود الحق القديم سبحانه ؛ سواء قال إن ذلك الوجود الذي مع الوجود الحق سبحانه وجود قديم أو وجود حادث « 4 » ، فإن الحوادث لو كان لها وجود
هامش
( 1 ) كذا بالأصل ، وصوابها :وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ( فصلت : 37 ) .
( 2 ) أي : وما يفهمها ويتدبرها إلا الراسخون في العلم المتضلعون منهم ، قال الإمام أحمد بسنده عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال : عقلت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ألف مثل ، وهذه منقبة لعمرو بن العاص رضي اللّه عنه ؛ حيث يقول اللّه تعالى :وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ.
وروى ابن أبي حاتم بسنده عن عمرو ابن مرة قال : ما مررت بآية من كتاب اللّه لا أعرفها إلا أحزنني ؛ لأنى سمعت اللّه تعالى يقول :وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ.
[ تفسير ابن كثير ( 3 / 428 ) ] .
( 3 ) يرتبط البحث في قدم العالم وحدوثه بالبحث في الأدلة على وجود اللّه ، نقول هذا إذا نظرنا بصفة خاصة إلى أقوال الغزالي في كتابه « تهافت الفلاسفة » ؛ فهو قد رأى أن الفلاسفة إذا كانوا قد ذهبوا إلى أن العالم قديم فإن هذا يؤدى إلى القول بأنه لا يكون فعلا للّه ؛ لأن الفعل عبارة عن الإحداث . [ مذاهب فلاسفة المشرق ( 79 ) ، طبعة دار المعارف ) ] .
( 4 ) قال الغزالي في تهافت الفلاسفة ( 128 ) : إن معنى الفعل إخراج الشيء من العدم إلى الوجود بإحداثه وذلك لا يتصور في القديم ؛ إذ الموجود لا يمكن إيجاده ، فإن شرط الفعل أن يكون حادثا والعالم قديم عندهم ، فكيف يكون فعلا للّه ؟
ومن هنا يكون اللّه عندهم ليس فاعلا على وجه التحقيق ولا العالم من فعله ، وإنما إطلاق الاسم مجاز عندهم لا تحقيق له .