تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الوجود — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
إنه إنما دخل العقل في نسبة الوجود إلى الأشياء باعتبار جعلها الوجود تابعا للأشياء مثل تبعية بقية أوصاف لموصوفاتها ، وإنما الأمر في نفسه ليس كذلك ، فإن الماهيات كلها ماهيات جميع الأشياء المحسوسات والمعقولات تابعة للوجود قائمة به ، والوجود غير تابع لها ولا قائم لها ، فمن نظر هذا النظر وتحقق بهذا الشهود في حقيقة الوجود انكشف له عين ما تقول ، وإنما سبب نظر العقل إلى أن الوجود تابع للماهيات كما ذكرنا استعظامه للماهيات ورؤية كثرتها وشرفها ومرتبها ونظره إلى الوجود بعين الحقارة والاستقلال له ؛ ولذلك يسميه وجودا حادثا ، وألا يجعله تابعا للأشياء ، فيرى الوجود قليلا حقيرا بالنسبة إلى كثرة الأشياء وعظمها ، فيحكم بأنه تابع لها بسبب ذلك ، لا أنها تابعة له ؛ ولهذا قال اللّه تعالى :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ *
( الأنعام : 91 ، والزمر : 67 ) « 1 » ؛ أي عظموه حق تعظيمه ، ثم بين سبحانه فعله وقيوميته بوجوده على الأشياء فقال :
وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
( الزمر : 67 ) « 2 » . وإنما خص يوم القيامة لانكشاف الأمور فيها ، وإنما مثل رؤيتهم للوجود قليلا بالنسبة إلى كثرة الموجودات وعظمها في نظر العقل كمن ينظر شعاع الشمس المنبسط على الدنيا في برها ، وبحرها ، وجبالها ، وسهلها ، ووعرها ، فيراه كثيرا عظيما ، وينظر إلى قرص الشمس الذي هو منبع تلك الأشعة ، فيراه قليلا صغيرا
هامش
( 1 ) أي : يقول تعالى : وما عظموا اللّه حق تعظيمه ؛ إذ كذبوا رسله إليهم ، قال ابن عباس ومجاهد وعبد اللّه بن كثير : نزلت في قريش ، واختاره ابن جرير ، قيل : نزلت في طائفة من اليهود ، والأول أصح ؛ لأن الآية مكية واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء وقريش والعرب قاطبة كانوا ينكرون إرسال محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأنه من البشر . [ تفسير بن كثير ( 2 / 159 ) ] . ( 2 ) روى البخاري قال : قوله تعالى :وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ *بسنده عن ابن مسعود قال : جاء حبر من الأحبار إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا محمد إنا نجد أن اللّه عز وجلّ يجعل السماوات على إصبع ، والأرضين على إصبع ، والشجر على إصبع ، والماء والثرى على إصبع ، وسائر الخلق على إصبع ، فيقول : أنا الملك ، فضحك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر ، ثم قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ . . .الآية .