تكونه ترتبط الأشياء به من حيث ما تعين منه ، ولا يرتبط بها من حيث امتيازها بتعددها عنه ، فيتوقف وجودها لها عليه ، ولا يتوقف عليها مستغن بحقيقته عن كل شئ ، مفتقر إليه كل شيء بوجوده ، ليس بينه وبين الأشياء نسب إلا العناية كما قيل ، ولا حجاب إلا الجهل والتلبيس والتخييل لغاية قربه ودنوه ، وفرط عزته وعلوه ، وعنايته في الحقيقة إفاضة نوره الوجودي على أن من انطبع في مرآة عينه التي هي نسبة معلومية ، واستعد لقبول حكمه إيجاده ومظهريته ، ثم أشار للاعتبار الثاني الذي للوجود بقوله : ومتى أدرك أو شوهد أو خاطب أو خوطب فمن وراء حجاب عزته في مرتبة نفسه بنسبة ظاهرية ، وحكم تجليه في مترل تدليه من حيث اقتران وجوده العام بالممكنات ، وشروق نوره على أعيان الموجودات « 1 » ، ليس غير ذلك ، وهو سبحانه وتعالى من هذا الوجه وبهذه الحيثية إذا اعتبر تعين وجوده مقيدا بالصفات اللازمة لكل متعين من الأعيان الممكنة ، التي في الحقيقة هي نسب علمه جمعا وفرادى ، وما يتبع تلك الصفات من الأمور المسماة شئونا وخواصّ وعوارض ، والآثار التابعة الأحكام الاسم الدهر المسماة أوقاتا ، والمراتب أيضا والمواطن ، فإن ذلك التعين والتشخيص يسمى خلقا وسوى .
وينضاف إليه إذ ذاك كل وصف وبكل اسم ، ويظهر بكل وسم ، ويقبل كل حكم ، ويتقيد في كل مقام بكل رسم ، ويدرك بكل مشعر من سمع وبصر وعقل وفهم ، وغير ذلك من القوى والمدارك ، فاذكروا علم ؛ وذلك لسريانه في كل شيء بنوره الذاتي المقدس عن التجزي والانقسام والحلول في الأرواح والأجسام ، فافهم « 2 » . .
هامش
( 1 ) مذهب وحدة الوجود مذهب الذين يوحدون اللّه والعلم ، ويزعمون أن كل شيء هو اللّه ؛ وهو مذهب قديم أخذت به البراهمانية والرواقية والأفلاطونية الجديدة والصوفية ، فالبراهمانيون يردون كل شيء إلى اللّه ، ويعتقدون أن براهمان هو الحقيقة الكلية ونفس العالم ، وأن جميع الأشياء الأخرى ليست سوى أعراض ومظاهرة لهذه الحقيقة . [ التصوف الفلسفي ( 33 ) ، طبعة دار الحديث ] .
( 2 ) ولمذهب وحدة الوجود عدة صور مختلفة تنحصر في صورتين :
الأولى : وهي القول إن اللّه وحده هو الموجود الحق ، وأن العالم مجموع ظواهر وأحوال ليس لها وجود حقيقي دائم ولا جوهر متميز ، مثل وحدة الوجود الإسبينوزية .