تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الوجود — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
ولكن كل ذلك متى أحب ، وكيف شاء ، وهو في كل وقت وحال القائل لهذين الحكمين الكليين المذكورين المتضادين بذاته لا بأمر زائد ، والجامع بين كل أمرين مختلفين من غائب وحاضر وصادر ووارد ، إذا شاء ظهر في كل صورة ، وإن لم يشأ لا تنضاف إليه صورة ، ولا يقدح تعينه وتشخصه بالصور ، واتصافه بصفاتها في كمال وجوده وعزته وقدسه ، ولا ينافي ظهوره في الأشياء وإظهار تقيده بها وبأحكامها من حيث هو علوه وإطلاقه عن كل القيود ، وغناه بذاته من جميع ما اتصف بالوجود . ثم قال بعد ذلك « 1 » : « ولما كان الحق - سبحانه وتعالى - من حيث حقيقته في حجاب عزه لا نسبة بينه وبين ما سواه ، كان الخوض فيه من هذا الوجه والتشوق إلى طلبه تضييعا للوقت وطلبا لما لا يمكن تحصيله ولا الظفر به إلا بوجه جلى ، وهو أن وراء ما تعين أمر ظاهر به كل متعين « 2 » ؛ فلذلك قال سبحانه بلسان الرحمة والتنبيه والإرشاد في كتابه العزيز :
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ
« 3 » .
هامش
والثانية : هي القول إن العالم وحده هو الموجود الحق ، وليس اللّه سوى مجموع الأشياء الموجودة في العالم ، مثل وحدة الوجود عند دولباخ وديدور وعند بعض الهيجليين ، وتسمى وحدة الوجود الطبيعية أو المادية . [ التصوف الفلسفي الإسلامي ( 34 ) ] . ( 1 ) يقصد صدر الدين القونوي . ( 2 ) تصوف وحدة الوجود : هو التصوف المبنى على القول بأن ثمة وجودا واحدا فقط وهو وجود اللّه ، أما التكثير المشاهد في العالم فهو وهم على التحقيق تحكم به العقول القاصرة ، فالوجود إذن واحد لا كثرة فيه . [ المعجم الفلسفي ( 2 / 199 ) ] . ( 3 ) آل عمران : 30 . قال ابن كثير في تفسيره ( 1 / 357 ) :وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ؛ أي يحذركم نقمته في مخالفته وسطوته وعذابه لمن والى أعداءه وعادى أولياءه ، ثم قال - جل جلاله - مرجيا لعباده ؛ لئلا ييأسوا من رحمته ويقنطوا من لطفه :وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ، قال الحسن البصري : من رأفته بهم حذرهم نفسه . وقال غيره : أي رحيم بخلقه ، يحب لهم أن يستقيموا على صراطه المستقيم ودينه القويم ، وأن يتبعوا رسوله الكريم .
كتاب الوجود — صفحة 184 | عبد الغني ابن إسماعيل النابلسي / سيد يوسف احمد