لكن لهذا الوجه الحق من حيث مرتبته عروض وظهور في نسب علمه التي هي الممكنات ، وتتبع ذلك العروض والظهور أحكام وتفاصيل وآثار بها تتعلق المعرفة التفصيلية ، وفيها ومنها يقع الكلام ، وأما ما وراء ذلك فلا لسان له ولا خطاب يفصله ، بل الإعراب عنه يزيده إعجاما ، والإفصاح إبهاما . انتهى كلام العارف باللّه تعالى صدر الدين القونوى - رحمه اللّه تعالى - .
وما أحسن قول تلميذه العارف باللّه تعالى عفيف الدين التلمساني من قصيدة له :
ووراء ذاك ولا أشير لأنه * سر لسان النطق عنه أخرس « 1 »
أمر له وبه ومنه تعينت * أعياننا ووجوده الملتبس « 2 »
ولنا في هذا المعنى قولنا إشارة إلى ما ذكرنا :
أن الوجود حقيقة لا تدرك * وقف الموحد عندها والمشرك
والناس فيها فرقتان فعارف * حاز الكمال وجاهل يستدرك
والعين واحدة ولكن حكمها * يقف البياض وأسود محلولك
فاطرح قيود الكائنات جميعها * وأطلق عنانك « 3 » في السرى يا ممسك
وافتح عيونك في حقيقة ما ترى * ولا يجنبك عثيرا أو درمك
كدر الزخارف حل ماءك فاختفى * عنك الذي هو عنه عينك تهتك
هامش
( 1 ) أخرس : انعقد لسانه عن الكلام خلقة أو عيّا فهو أخرس ، وهي خرساء ، وجمعها : خرس .
[ المعجم الوجيز ( 191 ) ] .
( 2 ) لبس عليه الأمر لبسا : خلطه عليه حتى لا يعرف حقيقته ، وفي القرآن الكريم :وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ( البقرة : 42 ) ، وألبس عليه الأمر : اشتبه واختلط . [ المرجع السابق ( 549 ) ] .
( 3 ) العنان : سير اللجام الذي تمسك به الدابة ، جمعها أعنة ، والعنان : ما يبدو لك من السماء إذا نظرت إليها - و : السحاب . [ المعجم الوجيز ( 438 ) ] .