الموجود ، فما لا وجود له لا يكون « 1 » مجعولا ، ثم قال : وليس ثم وجودان ، بل الوجود واحد ، وأنه مشترك بين سائرها ؛ أي سائر أعيان المكونات مستفاد من الحق سبحانه ، ثم إن هذا الوجود الواحد العارض للممكنات المخلوقة ليس بمغاير في الحقيقة للوجود الحق الباطن المجرد عن الأعيان والمظاهر إلا بنسب واعتبارات : كالظهور ، والتعيين ؛ والتعدد الحاصل بالاقتران ، وقبول الحكم الاشتراك ، ونحو ذلك من النعوت التي تلحقه بواسطة التعلق بالمظاهر ، ثم قال : فللوجود اعتبارين أحدهما من كونه وجودا فحسب وهو الحق ، وأنه من هذا الوجه لا كثرة فيه ولا تركيب ، ولا صفة له ولا نعت ، ولا اسم ولا رسم ، ولا نسبة ولا حكم ، بل وجود بحت .
وقولنا وجودا أيضا هو للتفهيم أن ذلك اسم له حقيقي ، بل اسمه عين صفته ، وصفته عين ذاته ، وكما له نفس وجوده الذاتي الثابت له من نفسه لا من سواه وحياته وقدرته عين علمه وعلمه بالأشياء أزلا عين علمه بنفسه « 2 » ، بمعنى أنه علم نفسه بنفسه ، وعلم كل شيء بنفس علمه بنفسه ، تتحد فيه المختلفات ، وتنبعث منه المتكثرات دون أن تحويه أو يحويها أو تبديه عن بطون متقدم أو هو من نفسه يفرزها فيبديها له وحده « 3 » ، هي النفس كل كثرة وبساطة هي عين كل تركيب
هامش
( 1 ) ينقد الغزالي الفلاسفة فيقول : فيم تنكرون على من يقول إن اللّه تعالى له علم واحد بوجود الكسوف مثلا في وقت معين ، وذلك العلم قبل وجوده علم بأنه سيكون وهو بعينه عند الوجود علم بأنه كائن ، وهو بعينه بعد الانجلاء علم بالانقضاء ، وأن هذه الاختلافات ترجع إلى إضافات لا توجب تبدلا في ذات العلم ، فلا توجب تغيرا في ذات العالم ، فإن ذلك ينزل منزلة الإضافة المحضة . [ تهافت الفلاسفة ( 199 ) ] .
( 2 ) المعتزلة أثاروا مشكلة صفات اللّه ؛ فإنهم قالوا : إن ذات اللّه وصفاته شيء واحد ، ومعنى ذلك أن اللّه حي عالم قادر بذاته لا بعلم وقدرة وحياة زائدة على ذاته ، ودليلهم على ذلك أن اللّه لو كان عالما بعلم زائد على ذاته وحيا بحياة زائدة على ذاته - كما نرى ذلك في الإنسان - لأدى ذلك إلى أن نسلم بصفة وموصوف وحامل ومحمول . [ مذهب فلاسفة المشرق ( 99 ) ] .
( 3 ) في رأى المعتزلة قالوا : لا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم ، ولا يوصف بأنه متناه ، ولا يوصف بمساحة ولا ذهاب في الجهات ، وليس بمحدود ولا والد ولا مولود ، ولا تحيط به الأقدار ، ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ، وكل ما يخطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له ، لم يزل عالما قادرا حيّا ، وأنه القديم وحده ولا قديم غيره ، ولا إله سواه ، ولا شريك له . [ المرجع السابق ( 98 ) ] .