آخر أو أول مرة ، كل ما يتناقض في حق غيره ، فهو له على أكمل الوجوه ثابت ، وكل من نطق عنه لا به ، ونفى عنه كل أمر مشتبه ، وحصره في مدركه ومشربه ، فهم أبكم ساكت جاهل مباهت ، حتى يرى به كل ضد نفس ضده ، بل عينه ، مع تمييزه بين حقيقته وبينه ظهوره نفس بطونه ، وآخريته عين أوليته ، لا ينحصر في المفهوم من الوحدة أو الوجود ، ولا ينضبط الشاهد ، ولا في مشهود له أن يكون كما قال ، ويظهر كما يريد دون الحصر في الإطلاق أو التقييد ، لا تحقق لشيء بنفسه ولا بشيء إلا به ، فانتبه . . لا تدركه سبحانه من هذه الحيثية العقول والأفكار ، ولا تحويه الجهات والأقطار ، ولا تحيط بمشاهدته ومعرفته البصائر والأبصار ، منزه عن القيود الصورية والمعفوية ، مقدس عن قبول كل تقدير « 1 » متعلق لكم أو كيفية ، متعال عن الإحاطات الوهمية والحدسية والظنية والعلمية ، متحجب بكمال عزته عن جميع بريته ، الكامل منهم والناقص ، والمقبل في زعمه والناكص ، جميع تنزيهات العقول من حيث أفكارها ، ومن حيث بصائرها نسب سلبية ، لا تفيد معرفة حقيقته ، وهي دون ما يقتضيه جلاله ، ويستحقه قدسه وكماله ، لا يتجدد له على ولا يتعين في حقه أمر ينحصر فيه ولا حكم كما له بنفسه ، ووجوده بالفعل لا بالقوة ، وبالوجوب لا بالإمكان ، منزه عن التغيير والحدثان ، لا تحويه المحدثات « 2 » لتبديه أو تصونه ، ولا يكونها لحاجة إلى سواه ، ولا
هامش
( 1 ) اللّه عالم قادر حي ، لا كالعلماء القادرين الأحياء ، ولا شريك له في ملكه ، ولا وزير له في سلطانه ، ولا معين على إنشاء ما نشأ وخلق ما خلق ، ولم يخلق على مثال سابق ، وليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء آخر ، ولا أصعب عليه منه ، ولا يجوز عليه احتراز المنافع ، ولا تلحقه المضار ، ليس بذى غاية فيتناهى ، ولا يجوز عليه الفناء ، ولا يلحقه العجز والنقص ، تقدس عن ملامسة النساء ، وعن اتخاذ الصاحبة والأبناء . [ رأى المعتزلة ، انظر : مذهب فلاسفة الشرق ( 98 ) ] .
( 2 ) يقول الكندي : السؤال عن الباري عز وجلّ في هذا العالم وعن العالم العقلي وإن كان في هذا العالم شيء ؛ فكيف هو الجواب عنده ؟ هو كالنفس في البدن ، لا يقوم شيء من تدبيره إلا بتدبير النفس ، ولا يمكن أن يعلم البدن إلا بما يرى في آثار تدبير النفس فيه ، ولا يمكن إلا بالبدن بما يرى في آثار تدبيرها ؛ فهكذا العالم المرئى لا يمكن أن يكون تدبيره إلا بعالم لا يرى ، والعالم الذي لا يرى لا يمكن أن يكون معلوما إلا بما يوجد في هذا العالم من التدبير والآثار الدالة عليه .
[ المرجع السابق ( 84 ) ] .