وكل ما يدرك في الأعيان ويشهد من الأكوان بأي وجه أدركه الإنسان « 1 » .
فإنما ذلك المدرك ألوان وأضواء وسطوع مختلفة الكيفية ، متفاوتة الكمية ، وأمثلتها تظهر في عالم المثال المتصل بنشأة الإنسان أو المنفصل عنه من وجه على نحو ما في الخارج ، وكثرة الجميع محسوسة « 2 » ، والأحدية فيها معقولة أو محسوسة ، وكل ذلك أحكام الوجود ، أو قل : صور نسب علمه ، أو صفات لازمة له من حيث اقترانه بكل عين لوجود سر ظهوره فيها ، وبها ولها ، ويحسبها كيف شئت وأطلقت ، ليس هو الوجود ، فإن الوجود واحد ، ولا يدرك بسواه من حيث ما يقرره ؛ لأن الواحد من كونه واحدا لا يدرك بالكثرة من حيث هو كثير ، وبالعكس .
ولم يصح الإدراك للإنسان من كونه واحدا وحدة حقيقية ، كوحدة الوجود ، بل إنما صح له ذلك من كونه حقيقة متصفة بالوجود والحياة ، وقيام العلم به والإرادة « 3 » ، وثبوت المناسبة بينه وبين ما يدوم إدراكه ، وارتفاع الموانع العاتقة عن الإدراك ، فما أدرك إلا من حيث كثرته لا من حيث أحديته ، فتعذر إدراكه من حيث هو لا كثر فيه أصلا لي ، إن قال : الوجود في حق الحق عين ذاته ، وفيمن عزاه ، أمر
هامش
( 1 ) يفضل الفلاسفة الإدراك الكلي ؛ وسبب ذلك أن الإدراكات الجزئية يلحقها الزمان ، والزمان يفيد التغير ؛ أي تغير ذات اللّه ، وهذا محال ، وكيف أن المتكلمين قد ركزوا أساسا على القول بأن إدراك الجزئيات لا يعنى تغير ذاته تعالى .
[ مذاهب فلاسفة المشرق ( 261 ) طبعة دار المعارف ] .
( 2 ) يرى ابن سينا أن اللّه عاقلا ومعقولا ، وبيان هذا أن اللّه إذا عقل ذاته وعقل أنه مبدأ كل موجود عقل أوائل الموجودات عنه وما يتولد عنها ، ولا شيء من الأشياء يوجد إلا وقد صار من جهة ما واجبا بسببه . [ المرجع السابق ( 260 ) ] .
( 3 ) يفرق الغزالي بين معلومات الإنسان المتناهية ومعلومات اللّه التي ليس لها نهاية ، ويرى أن الموجودات في الحال - وإن كانت متناهية - فالممكنات المستقبلة ليست متناهية ، ويعلم اللّه هذه الممكنات ، وهل سيوجدها أم سوف لا يوجدها ؛ وإذن يعلم اللّه ما لا نهاية له ، وهذا خلاف العلم الإنسانى الذي له حدود معينة . [ الاقتصاد في الاعتقاد ( 47 ) ] .