مبدأ الموجودات موجود ، فلا يخلو إما أن يكون حقيقة الوجود أو غيره ، لا جائز أن يكون غيره ضرورة احتياج غير الموجود في وجوده إلى غير الوجود ، والاحتياج ينافي الوجوب ، تعين أن يكون حقيقة الوجود ، فإن كان مطلقا ، ثبت المطلوب ، وإن كان متعينا يمتنع أن يكون التعيين داخلا فيه ، وإلا تركب الواجب ، فتعين أن يكون خارجا .
فالواجب محض ما هو الوجود ، والتعين صفة عارضة له ، فإن قلت : لم لا يجوز أن يكون التعيين عينه ، قلت : إن كان التعين بمعنى ما به التعين يجوز أن يكون عينه لا يضرنا ، فإن ما به تعينه إذا كان ذاته ينبغي أن يكون هو في نفسه غير متعين ، وإلا تسلسل ، وإن كان بمعنى التشخص لا يجوز أن يكون عينه ؛ لأنه من المعقولات الثانية التي لا يجازى لها أمر الخارج » « 1 » انتهى .
وذكر العارف باللّه تعالى الشيخ صدر الدين القونوى - قدس اللّه سره - في كتابه مفتاح الغيب قال : « اعلم أن الحق هو الوجود المحض الذي لا اختلاف فيه ، وأنه واحد وحدة حقيقية ، لا تعقل في مقابلة كثرة ، ولا يتوقف تحققها في نفسها ، ولا تصورها في العلم الصحيح المحقق على تصور ضدها ، بل هي نفسها ثابتة مثبتة لا مثبتة .
وقولنا : وحدة التنزيل والتفهيم ، لا للدلالة على مفهوم الوحدة على نحو ما هو متصور في الأذهان المحجوبة ، وإذا عرفت هذا فنقول إنه سبحانه من حيث اعتبار وحدته المنبه عليها ، وتجرده عن المظاهر ، وعن الأوصاف المنضافة إليه من حيث المظاهر ، وظهوره منها ، لا يدرك ولا يحاط به ولا يعرف ولا ينعت ولا يوصف ،
هامش
( 1 ) إذا كانت وحدة الوجود عند ابن عربى ثمرة فكر نظري ، أرجع الكثرة المشهودة إلى حقيقتها الواحدة ، فهي في اللحظة الثانية شهود لهذا النظر الفكري .
ولكن تآلف الفكر مع الشهود ، فدعم كل منهما الآخر حتى صعب التفريق بين كل منهما ، وإن كنا نظن بأسبقية الفكر على الشهود ، أسبقية يتطلبها منطقه في تقديم علم اليقين على عينه . [ التصوف الفلسفي ( 52 - 53 ) ] .