تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الوجود — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
ويضاهى هذا قوله رضي اللّه عنه في المعشرات من أبيات له :
أقول باللام لا بالباء أن لنا * شخصا ينازعني في القول بالباء
ومعناه أن القول بالباء هو مقام العبودية المقتضى للغيرية ، وهو النظر العقلي المقتضى لتكليف المكلفين في إضافة الوجود إلى أعيان الممكنات ، وقيام أعيان الممكنات بالوجود ؛ وهي مرتبة الشرائح ، ومرتبة العمل الصالح ، وأما القول باللام فهو مقام المعرفة الإلهية والإيمان القلبي ، وليس فيه إضافة الوجود إلى شيء من الممكنات أصلا ، وإنما فيه إضافة الممكنات إلى الوجود « 1 » وظهوره بها ، وهو الذي يتكلم عليه في كتابنا هذا ، ويتميزه العارفون من غيرهم ؛ لأنه نفس الأمر كما قال تعالى :
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
( البقرة : 284 ) . فأتى باللام المفيدة لما ذكرنا ، وإن كان مقام العبودية مطلوبا أيضا في الكتاب والسنة ، لكنه مشروط بنظر العقل شرط التكليف بالشرائع والمعرفة الإلهية فوق النظر العقلي . وكلاهما شرط الكمال الإنسانى أهل الكمال ، فمقتضى الباء الفرق ؛ ولهذا قال : « . . أن لنا شخصا ينازعني في القول بالباء » ، ومقتضى اللام الجمع ولا منازع فيه . وذكر الشيخ العارف باللّه تعالى عبد الرحمن الجامي في رسالته الدرة الفاخرة ؛ حيث قال في تحقيق إثبات الوجود المطلق الخارجي « 2 » وصدور الأشياء منه : « لا شك أن
هامش
( 1 ) صفات الممكنات تتلخص في : أ - أن الممكنات أو الأعيان الثابتة هي ثابتة ، لا تزال في العدم ما شمت رائحة الوجود ، ودوام ظهورها في الحس يقتضى دوام إيجادها في كل لحظة ؛ لأنها فانية معدومة دائما . ب - إن الممكنات لها الافتقار الذاتي ، فلو استمرت زمنين لاتصفت بالغنى عن الخالق ، وذلك ينافي التفرقة التي شدد عليها ابن عربى بين الصفات الذاتية للحق وللخلق ، فالخلق له دوام الافتقار إلى الإيجاد والظهور . [ التصوف الفلسفي الإسلامي ( 58 ) ] . ( 2 ) حاول كل من خاض غمار الشيخ « محيي الدين » أن يظهر غموض وحدته الوجودية ، فقال بعضهم : إن مفتاح هذا الغموض في تفسير سورة الانشراح للقاشاني ؛ إذ تتكرر في هذه السورة الآية :إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً( الانشراح : 6 ) مرتين على التوالي ، ويشرح المفسرون بلسان الظاهر هذا التكرار على أنه توكيد وتأكيد ، غير أن القاشاني يشير بوضوح إلى تعلق هاتين الآيتين بمرحلتين من مراحل التحقق الروحي للنبي ؛ الصعود والترول . [ التصوف الفلسفي ( 53 ) ] .