الفيلسوف في هذه المسألة فإنها حق ، فإن الرسول صلى اللّه عليه وسلم قد قالها ، أو الصاحب ، أو مالك « 1 » ، أو الشافعي « 2 » ، أو لسفيان الثوري « 3 » ، وأما قولك إن قلت سمعها من فيلسوف أو طالعها في كتبهم فإنك ربما تقع في الكذب والجهل ، أما الكذب فقولك سمعها أو طالعها وأنت لم تشاهد ذلك منه .
وأما الجهل فكونك لا تفرق بين الحق في تلك المسألة والباطل ، وأما قولك إن الفيلسوف لا دين له « 4 » ، فلا يدل كونه لا دين له على أن كل ما عنده باطل ، وهذا مدرك بأول العقل عند كل عاقل ، فقد خرجت باعتراضك على الصوفي « 5 » في مثل
هامش
( 1 ) مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن عثمان بن حنبل بن عمرو بن الحارث ، أبو عبد اللّه الأصبحى المدني الفقيه ، إمام دار الهجرة الحميري ، رأس المتقين وكبار المثبتين ، حتى قال الإمام البخاري : أصح الأسانيد كلها مالك عن نافع عن ابن عمر . أخرج له أصحاب الكتب الستة ، توفى سنة ( 179 ) . [ التهذيب ( 10 / 5 ) ؛ سير الأعلام ( 8 / 48 ) ] .
( 2 ) محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف ، أبو عبد اللّه الشافعي ، القرشي المطلبي الشافعي ، المكي ، المجدد لأمر الدين على رأس المائتين ، أخرج له أصحاب الكتب السنة ، توفى سنة ( 204 ) .
( 3 ) سفيان بن سعيد بن مسروق ، أبو عبد اللّه ، الثوري الكوفي ، ثقة ، حافظ ، فقيه ، عابد ، إمام حجة ، وكان ربما دلس ، أخرج له أصحاب الكتب السنة ، توفى سنة ( 161 ، 164 ) .
( 4 ) قال الشيخ عبد الحليم محمود بهامش لطائف المنن ( ص 54 ) : ابتغى المسلمون الأول الإسلام توجيها كما ابتغوه مبادئ ، وسار الأمر على ذلك إلى أن تسللت الفلسفة اليونانية كمكروب خبيث إلى الجو الإسلامي ، تسللت في عهد المأمون وشجعه على ذلك معتزلة عصره ، وقابل المؤمنون ذلك بكثير من النفور وحق لهم ذلك ؛ فما كان منطق الدين ولا منطق الفطرة السليمة يقضى بأن تكون راية العصمة راية الدين الإلهى مرفوعة ترفرف على ربوع الأمة الإسلامية في محيط العقيدة ، فتميل بهذه الراية قليلا أو كثيرا لترفع بجوارها راية أرسطو أو راية أبيقور .
( 5 ) ليس التصوف القول بما يخالف الشريعة الحقيقية ، أو أن أهل الحقيقة لا يتقيدون بالشريعة ، أو أن ظاهر الإسلام شيء غير باطنه ، وليس التصوف القول بالحلول أو الاتحاد أو الوحدة التي تزعم أن الكون هو اللّه واللّه هو الكون ، وليس التصوف تحريف أسماء اللّه والرقص بها ممطوطة أو محولة إلى أصوات ساذجة لا معنى لها ، أو قراءة الأوراد بغير فهم ولا إدراك . [ مقدمتنا في قطر الولي على حديث الولي ( 4 ) ، من تحقيقنا ، طبعة دار الكتب العلمية ] .