تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الوجود — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
بعد ذلك ، فلا يكون رده لمذهب الفلاسفة واعتراضاته إلا بحسب المفهوم العقلي فقط « 1 » ، وهو موافق لهم بحسب نفس الأمر ، فلا خلاف في وجود الواجب إلا بحسب المفهوم العقلي ، وقد ذكرنا نحن في غير ما موضع من هذا الكتاب أن العقل يقتضى إضافة الوجود إلى الماهيات الممكنات ، وتلك الإضافة هي عين مغايرة وجود الواجب لحقيقة بحسب المفهوم ، فإن من قال من الفلاسفة والصوفية « 2 » بأن حقيقة الواجب هي الوجود تقول بإضافته إلى الممكنات عقلا ضرورة كون الممكنات موجودات به ، ومن قال من المتكلمين بأن حقيقة الواجب مغايرة لذاته قائل بأن مغايرتها بحسب المفهوم العقلي دون الهوية ، وقائل أيضا بأن وصف الماهيات بالوجود أمر عقلي « 3 » . فلا خلاف بين الكل ، غير أن عبارات الفلاسفة والصوفية واضحة والاعتراضات عليها واهية جدّا ، وعبارات المتكلمين غير واضحة والاعتراضات عليها قوية ، ومذهب
هامش
( 1 ) لو رجعنا إلى ما كتبه فلاسفة العرب في نقد المتكلمين لوجدنا صحة ذلك ؛ إذ إن فلاسفة العرب ينقدون العقل بالمعنى الكلامي ، كما أنهم ينقدون الأصول التي يبنى عليها المتكلمون آراءهم ، طالما أنها لا تعد وكونها أقوالا مشهورة ، مأخوذة من بادئ الرأي المشترك من غير تمحيص . [ تجديد في المذاهب الفلسفية والكلامية ( 26 ) ] . ( 2 ) بدأ التصوف باستنباط حياة زهدية من القرآن والسنة سنة الرسول صلى اللّه عليه وسلم وسنة الصحابة ، ثم كان تصوفا ، ثم أصبح التصوف علما يقابله قواعد عملية . وقد احتضن الأشاعرة مذهب الخلف منذ أبى حامد الغزالي التصوف ، وأصبح جزءا من حلية الخلف ، ولكن السلف المتأخرين هاجموا هذا المترع الأخلاقي عند الأشاعرة ، وأنكروا أن يعتنق مذهب أهل السنة والجماعة صورة صوفية في الحياة ، ولكنهم تناسوا أن التصوف عند أبي حامد الغزالي وعند المدرسة الأشعرية إنما هو نطاق الكتاب والسنة . [ التصوف الفلسفي الإسلامي ( 10 ) ، طبعة دار الحديث ] . ( 3 ) الفارابي في رسالته « في معاني العقل » ( ص 48 ) يرى أن المتكلمين إذا كانوا يظنون العقل الذي يرددونه فيما بينهم أنه العقل الذي ذكره أرسطو في كتاب البرهان ، فإن هذا يعد خطأ ؛ إذ إننا تتبعنا ما يستعملونه في المقدمات نجدها كلها مقدمات مأخوذة من بادئ الرأي المشترك ؛ فلذلك صاروا يؤمون شيئا ويستعملون غيره .