وأما الفاعل القديم للشيء فإنه لا ينفك عن الشيء ويلازمه ؛ لأنه القيوم عليه كما ورد في الكتاب والسنة من أنه تعالى قيوم على كل شيء .
وقال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ
« 1 » .
وفي بعض الأخبار قال تعالى : « أنا بدرك اللازم الذي لا بد لك مني ، إلى أين تزول عنى » ، وذلك فإن جميع الموجودات لولا ملازمة فاعلية اللّه تعالى لذواتها وجميع صفاتها وأحوالها وملازمة قيوميته « 2 » عليها لما كانت موجودات أصلا ، فدوام تجليه عليها بالفاعلية والقيومية هو الذي اقتضى ظهوره بها لها ، وهو الوجود الصرف كما قدمناه ، وهي العدم الصرف ؛ ولهذا السر كانت الموجودات موجودات عند العقل لا في التحقيق ، واللّه الموفق .
وقال السعد التفتازاني - رحمه اللّه - في شرح المقاصد في اعتراض القول بأن واجب الوجود هو الوجود المطلق : « وحين اعترض بأنه لما لا يجوز أن تكون تلك الحقيقة المخالفة لسائر الحقائق بنفسها الفنية عما سواها أمر غير الوجود ، أجابوا بأن المتحقق بنفسه الغنى عما سواه لا يجوز أن يكون غير الوجود ؛ لأن احتياج غير الوجود في التحقيق إلى الوجود ضروري » « 3 » انتهى .
هامش
يولد شيئا واحدا ، ولا بد عند تجديد المسببات من تجديد أسباب فيه . [ المحيط بالتكليف للقاضي عبد الجبار المعتزلي ( 403 ) ] .
( 1 ) سورة فاطر : 41 .
( 2 ) في تفسير الآية الكريمة :إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا . . .الآية .
قال ابن كثير : أي تضطربا عن أماكنهما ، ولا يقدر على دوامها وإبقائهما إلا هو ، وهو مع ذلك حليم غفور أن يرى عباده وهم يكفرون به ويعصونه ، وهو يحلم فيؤخر وينظر ويؤجل ولا يعجل ، ويستر آخرين ويغفر ؛ ولهذا قال تعالى :إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً *[ تفسير ابن كثير ( 3 / 579 ) ، طبعة مكتبة مصر ] .
( 3 ) يشير التفتازاني إلى دليل التمانع أو التغالب عند المتكلمين فيقول : إن صانع العالم واحد ، فلا يمكن أن يصدق مفهوم واجب الوجود إلا على ذات واحدة ، والمشهور في ذلك بين المتكلمين برهان التمانع المشار إليه بقوله تعالى :لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا، وتقريره : -