أما أولى القياس الأول فهي بديهية ، وكذلك ثانية ، وأما أولى القياس مسلمة أيضا ؛ لأن المستغنى عن كل شيء الذي يفتقر إليه كل شيء « 1 » إنما هو اللّه تعالى عند كل شيء ، فإن هذا الوصف لا يكون إلا اللّه تعالى ، وأما الثانية : فمسلمة وجود الموجودات أزلي ، فهو مستغن عن جميع ما عداه من الموجودات التي هي الحوادث ؛ فإنه كان ولا موجودات ، وليس من شرط الوجود في كونه وجود يوجد له موجودات ، فإنه وجود لنفسه لا بكونه وجودا للموجودات ، ومعلوم أن جميع ما عدا الوجود مفتقرا إلى الوجود ، فإذا كان جميع ما عدا الوجود مفتقرا إلى الوجود يلزم أن يكون الوجود مستغنيا عن جميع ما عداه من الموجودات ؛ إذ لو كان هو أيضا مفتقرا إلى ما عداه من الموجودات للزم الدور ، وهو باطل ، فصحت المقدمات الأربع ، وثبت في بداهة العقل فلزمت النتيجتان في القياسين . النتيجة الأولى للموجودات وجود ، والنتيجة الثانية وجود الموجودات هو اللّه تعالى .
وهاتان النتيجتان هما المطلوب في تركيب هذين القياسين العقليين ، وإذا كان وجود الموجودات « 2 » هو اللّه ، فهو غير الموجودات بالبديهية أيضا . فإن وجود لا شيء غير الشيء ؛ لأن الشيء لم يكن موجودا ، فصار موجودا ، ولو كان وجود الشيء عين الشيء لكان موجودا قبل أن يكون موجودا ، وهو جمع بين متناقضين ، كما أن فاعل الشيء غير الشيء « 3 » ، إلا أن فاعل الشيء إذا كان حادثا ينفك عن الشيء ولا يلازمه ،
هامش
( 1 ) يحاول المتكلمون إثبات عدم خلو العالم عن الحوادث ، وأن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث ، وإذا ثبت حدوثه كان افتقاره إلى المحدث من المدركات الضرورية ، وفي هذا ربط بين القول بحدوث العالم وبين الوصول إلى محدث للكون . [ الإشارات والتنبيهات ( 3 / 535 ، 536 ) ] .
( 2 ) قال ابن سينا في الإشارات والتنبيهات ( 3 / 538 ) : « واجب الوجود بذاته ، واجب الوجود في جميع أحواله الأولية وصفاته ، ولم يتميز في العدم الصريح حال ، الأولى فيها به ألا يوجد شيئا أو بالأشياء ألا توجد عنه أصلا وحال بخلافها .
( 3 ) إن ما نفعله من الأفعال على ضربين : أحدهما يفعله الفاعل منه مباشرا ، والآخر متولدا ، فالمفعول مباشرة يصح وجود أقل قليل الأجزاء منه في حال موته ، وزوال كونه قادرا ما لم يكن ذلك من باب ما يفتقر في وجوده إلى الحياة بأن يكون من أفعال القلوب ، فأما ما زاد على الجزء الواحد ، فلا يجوز وجوده عندما تعرض هذه الأحوال ، وأما المتولد فعلى ضربين : أحدهما -