إلى ماهية أصلا ، أما ماهيات الممكنات فظاهر عدم احتياجه إليها ، وأما ماهية له زائدة عليه فظاهر أيضا عدم احتياجه إليها للزوم افتقاره ، ولزوم تركيبه ، ولزوم مشابهته للحوادث ، وذلك محال ؛ فماهية الوجود هي نفس الوجود لا زائدة عليها أصلا ، وأما افتقار كل ما عداه الوجود إلى الوجود « 1 » فهو ظاهر أيضا ؛ لأن الموجودات لا تكون الموجودات إلا بقيامها بالوجود كما ذكرنا ، وهي المعية الإلهية التي قال تعالى :
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
( الحديد : 4 ) ؛ أي وجدتم ؛ لأنهم موجودون به ، فهو وجودهم لا عين ماهياتهم .
وقال تعالى لموسى وهارون - عليهما السلام - :
إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى
( طه :
46 ) . وقال اللّه تعالى حكاية عن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما قال لصاحبه وهما في الغار :
لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا
( التوبة : 40 ) .
وملخص ذلك أن نقول : لو لم يكن للموجودات وجود لما وجدت الموجودات أصلا ، ولا شك أن الموجودات موجودات ، فالموجودات وجود ، ووجود الموجودات لو لم يكن مستغنيا عن جميع الموجودات في كونه وجودا ، وجميع الموجودات مفتقرة إليه في كونها موجودات لما كان هو اللّه تعالى ، لكن وجود الموجودات مستغن عن جميع الموجودات في كونه وجودا ، وجميع الموجودات مفتقرة إليه في كونها موجودات .
فوجود الموجود هو اللّه تعالى « 2 » ، وهذان قياسان عقليان مشتمل كل منهما على مقدمتين وهي كلها مسلمات .
هامش
( 1 ) استند أهل القدم إلى فكرة الجود الإلهى في تفسيرهم لعدم وجود مدة لم يكن فيها خلق ، فإن هذا كان ردّا منهم على أهل الحدوث الذين ذهبوا إلى أن المخلوق المعلول في وجوده لا يتصور مخلوقا إلا بإيجاد بعد عدم ، فالعدم السابق للوجود يتقدم وجود المحدث عند من يتصور محدثا مخلوقا ، والبداية الزمانية تبتدئ بعد العدم ، والعدم السابق ليس له بداية زمانية ، بل له نهاية هي بداية زمان الوجود . [ المعتبر في الحكمة ( 3 / 33 ) ] .
( 2 ) في حقيقة وحدة الوجود عند ابن عربى قال : « هو من حيث الوجود عين الموجودات ، فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها ، وليست إلا هو ؛ لأن الأعيان التي لها العدم الثابتة فيه ، ما شمت رائحة من الموجودات » .
وفي قول آخر : « ولولا سريان الحق في الموجودات بالصورة ما كان للعالم وجود » [ فصوص الحكم ( 1 / 55 ، 76 ) ] .