وجود هي قائمة به « 1 » وسميت موجودات بإضافتها إليه ، أو لا يكون لها وجود كذلك ، فإن لم يكن لها وجود فمن المحال أن تسمى موجودات لنفسها ، وقد كانت معدومات فصارت موجودات في الحس وفي العقل ، وإن كان لها وجود هي قائمة به ، فذلك الوجود لا يخلو إما أن يكون مستغنيا عنها في كونه وجود ، وهي كلها مفتقرة إليه في كونها موجودات أو لا يكون كذلك ، فإن لم يكن مستغنيا عنها ولا هي مفتقرة إليه فليس هو بوجود أصلا ؛ لأنها ما سميت موجودات إلا لقيامها بالوجود وافتقارها إليه ، وهو مستغن بها ، وكونه ليس بوجود محال ، فثبت أن الذي سميت الموجودات به موجودات وقامت به وجود ، وهو مستغن عنها « 2 » في كونه وجودا ، وهي كلها مفتقرة إليه في كونها ، وليس معنا من هذا وصفه إلا اللّه تعالى ، فاللّه تعالى هو الوجود الصرف .
ولهذا قال السنوسي - رحمه اللّه تعالى - : « إن معنى الألوهية في اللّه تعالى استغناء كل ما سواه إليه ، وافتقار كل ما عداه إليه ، فمعنى لا إله إلا اللّه لا مستغنى عن كل ما سواه إليه كل ما عداه إلا اللّه ، واستغناء الوجود الصرف عن كل ما سواه ظاهرا لا يحتاج في كونه وجودا
هامش
( 1 ) قال الرازي في « الأربعون » ( ص 50 ) ، والشهرستاني في نهاية الأقدام في علم الكلام ( ص 45 ) :
« ومن الأدلة التي يذهب إليها الفلاسفة ، والتي لعبت دورا هامّا في النزاع بين الغزالي وابن رشد ، قولهم : إن الإيجاد إحسان ، ولو لم يكن اللّه موجدا في الأزل لكان تاركا للجود والإحسان مرة غير متناهية ، وذلك غير جائز . .
أي أن اللّه جواد بذاته ، وعلة وجود العالم جوده ، وهذا الجود قديم لم يزل ، فيلزم أن يكون وجود العالم قديما لم يزل ، ولا يجوز أن يكون مرة جوادا ومرة غير جواد ، فإن ذلك يوجب التغير في ذاته .
( 2 ) يقول الشهرستاني في كتابه نهاية الأقدام في علم الكلام ( ص 20 - 231 ) : « فإن قيل : ما الفرق بين وجوب العالم بإيجاب الباري ، وبين وجوده بإيجاد الباري تعالى ؟ قلنا : وجود الشيء بإيجاد موجده صواب من حيث اللفظ والمعنى ، بخلاف وجوب الشيء بإيجاب الموجب ؛ إذ معنى الممكن هو جواز وجوده وجواز عدمه ، لا جواز وجوبه وجواز امتناعه ، وقد استفاد هذا الممكن من المرجح وجوده لا وجوبه ، نعم لما وجد له الوجوب عند ملاحظة السبب ، فصح أن يقال :
وجد بإيجاده ، وعرض له الوجوب ، فانتسب إليه وجوده ؛ إذ كان ممكن الوجود لا ممكن الوجوب » .