بالبرهان العقلي والشرعي أنه الوجود المطلق الذي في الخارج ، وأن الأشياء كلها من حيث هي ماهيات محسوسات ومعقولات لا وجود لها في نفس ولا شمت رائحة الوجود أصلا غير تجل « 1 » وانكشاف ذلك الوجود المطلق الواحد الحق الخارجي بها لها .
وإنما الإدراك العقلي حاكم عليها بالوجود وبسبب ذلك التجلي المذكور ولا أن العقل يرى « 2 » ذلك الوجود المطلق حيث تجلى له وانكشف لما أمكنه أن يضيفه إلى نفسه وإلى غيره فيحكم بأن الأشياء موجودات به ، ولكنه لا يعلم ذلك الذي يراه ، فإن الوجود المطلق الحق يرى ولا يعلم ؛ لإطلاقه وعدم حصره .
كما أخرج الديلمي في مسند الفردوس عن ابن عباس رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 3 » :
هامش
( 1 ) كل موجود بالفعل فقد حصره العدد وأحصته طبيعته ، ومعنى الطبيعة وحدها أنها القوة التي في الشيء ، فتجرى لها كيفيات ذلك الشيء على ما هي عليه ، وحصر العدد وإحصاء الطبيعة نهاية صحيحة ؛ إذ ما لا نهاية له فلا إحصاء له ولا حصر .
والعالم موجود بالفعل ، وكل محصور بالعدد محصى بالطبيعة ، فهو ذو نهاية ، فالعالم كله ذو نهاية ؛ سواء في ذلك ما وجد في مدة واحدة ، أو مدد كثيرة ، فما لا نهاية له لا سبيل إلى وجوده بالفعل ، وكل ما لا يوجد إلا بعد ما لا نهاية له لا سبيل إلى وجوده أبدا ؛ إذ إن وقوع البعدية فيه هو وجود نهاية له ، وما لا نهاية له فلا بعد له . [ ابن حزم ، الفصل في الملل والنحل ( 1 / 15 - 16 ) ] .
( 2 ) قال النووي في شرح مسلم ( 3 / 7 ) - طبعة دار الكتب العلمية : « في قوله : عن ابن مسعود رضي اللّه عنه في قوله تعالى :ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى، قال : رأى جبريل له ستمائة جناح » . هذا الذي قال عبد اللّه رضي اللّه عنه هو مذهبه في هذه الآية ، وذهب الجمهور من المفسرين إلى أن المراد أنه رأى ربه - سبحانه وتعالى - ثم اختلف هؤلاء ، فذهب جماعة إلى أنه صلى اللّه عليه وسلم رأى ربه بفؤاده دون عينيه ، وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينيه ، قال الإمام أبو الحسن الواحدي : قال المفسرون : هذا إخبار عن رؤية النبي صلى اللّه عليه وسلم ربه عز وجلّ ليلة المعراج ، قال ابن عباس وأبو ذر وإبراهيم التيمي : رآه بقلبه ، وعلى هذا رأى بقلبه ربه رؤية صحيحة ، وهو أن اللّه تعالى جعل بصره في فؤاده أو خلق لفؤاده بصرا ، حتى رأى ربه رؤية صحيحة كما يرى بالعين .
( 3 ) وردت أحاديث كثيرة في الرؤية بين مؤيد مستشهدا بحديث ابن عباس ، ومعارض مستشهدا بحديث عائشة ، إلا أن حديث أبو ذر الغفاري جاء ليحل هذا الأمر ، فقد روى مسلم في صحيحه ) 291 - ( 178 ) ( ، كتاب الإيمان ، 78 - باب في قوله عليه السّلام نور أنّى أراه ، وفيه :
عن أبي ذر قال : سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : هل رأيت ربك ؟ قال : « نور أنى أراه » .