فيما سبق بأن الوجود الواجب ثبت إطلاقه وتنزهه عن جميع الحوادث المحسوسة والمعقولة بنصوص الكتاب والسنة فهو الوجود المطلق ، وقد جعله هو وجود الواجب مقيد بالوجوب ، واعتبره جزئيّا مساويا لبقية الجزئيات في أنه جزئي وإن كان مساويا لبقية الجزئيات في حقيقته ، مع أن جميع الجزئيات مفتقرة إليه وهو مستغن عنها كلها ؛ فكيف يعتبر مساويا لها في الجزئية ؟ وما ذلك إلا على خلاف نص الشرع ، وأما كونه مردودا عليه بطريق العقل ، فنقول : إن وجود الواجب الذي هو محكوم عليه عند المتكلمين بأنه جزء من جزئيات الوجود الكلى العقلي ، مساو لبقية الجزئيات الخارجية عندهم في كونه جزئيّا فقط كما ذكرنا ، لا يخلو إما أن يكون ذلك الوجود عين الذات ، أو زائدا عن الذات فيكون الواجب تعالى هو عين الوجود لا زائد عليه وهو المطلوب ، وإذا كان عين الذات زائدا عليها كما هو مذهب المتكلمين وقد مر ذكره ، فإما أن تكون تلك الزيادة حقيقية أو اعتبارية عقلية ، فإن كانت اعتبارية عقلية فهي مجرد نظر عقلي ليس في الخارج كذلك ؛ وإنما الاعتبار الشرعي في الإيمان بالخارج بالعقل ، فيلزم منه أن يكون الوجود عين الذات حقيقة خارجية وهو المطلوب ، وإن كانت الزيادة حقيقية يلزم تركب الذات الإلهية ويلزم افتقارها إلى الوجود ويلزم للحوادث ، وذلك مجال في حقه تعالى ، فبطل كون الزيادة حقيقية أو اعتبارية ، وتعين أن تكون ذات الواجب سبحانه هي الوجود المحض لا زائد عليه عند الكل فيما ألزموا به على مذاهبهم ، ثم نقول أيضا : إن وجود الواجب الذي اعتبره المتكلمون جزئيّا من جزئيات الوجود الكلى العقلي لا يخلو أيضا ، إما أن يكون مشابها لشيء من جميع ما عداه من وجودات الحوادث المستفادة منه فيكون حادثا مثلها ، ويلزم الدور أو التسلسل « 1 » ، وهما باطلان ، وإما أن يكون غير مشابه لشيء من وجودات المستفادة منه ، فهو الوجود المطلق عن قيود المشابهة لوجود كل شيء ، فثبت بالبرهان العقلي أن
هامش
( 1 ) وجود الممكنات في رأى ابن عربى هو عين وجود اللّه ، وليس تعدد الموجودات وكثرتها إلا وليد الحواس الظاهرة ، العقل الإنسانى القاصر هو الذي يعجز عن إدراك الوحدة الذاتية للأشياء ، فالحقيقة الوجودية واحدة في جوهرها وذاتها ، متكثرة بصفاتها وأسمائها ، لا تعدد فيها إلا بالاعتبارات والنسب والإضافات ، إذا نظرت إليها من حيث ذاتها قلت هي الحق ، وإذا نظرت إليها من حيث صفاتها قلت هي الخلق . [ مقدمة الفصوص ( 24 ) ] .