الواجب تعالى هو الوجود المطلق الذي في الخارج دون الوجود المطلق الكلى العقلي ، ثم ننظر أيضا في وجودات الأشياء فنقول : إما أن تكون عين ذواتها أو زائدة على ذواتها ، فإن كانت وجوداتها عين ذواتها - كما مذهب الأشعري ومن تابعه - فلا يخلو إما أن تكون وجوداتها مستفادة من وجود الواجب ، أو من غيره ، أو من نفسها ، وهذان الوجهان الأخيران يقتضيان الشريك مع الواجب ، وهو ينافي التوحيد وذلك مستحيل ، فتعين أن تكون وجوداتها مستفادة من وجود الواجب تعالى ، وإذا كانت وجوداتها مستفادة من وجود الواجب سبحانه ، فلا يخلو إما أن تكون وجوداتها بعد كونها مستفادة من وجود الواجب على حال لم تكن عليه قبل كونها مستفادة منه ، أو ليست على حال زائدة على ذلك قبل كونها مستفادة منه بأن تكون تلك الوجودات قبل الاستفادة وبعدها على حال واحد ، فإن لم تكن بعد الاستفادة على حال زائد فلا وجودات ، بل هي على ما هي عليه من عدمها الأصلي ، وهو بالبديهية العقلية ، فتعين أن تكون تلك الوجودات بعد كونها مستفادة من وجود الواجب على حال لم تكن عليه قبل ذلك وهو تجلى وجود الواجب بها عليها ، وظهوره بها لها وهو المطلوب ، وإن كانت وجودات الأشياء زائدة على ذواتها وهو مذهب المتكلمين ، فإما أن تكون تلك الوجودات مستفادة أيضا من وجود الواجب تعالى أو غير مستفادة ، بل من غيره أو من نفسها للزوم السر تكون مستفادة أو غيره ، أو من نفسها للزوم الشريك المنافى للتوحيد كما تقدم ، فتعين أن تكون وجودات الأشياء « 1 » مستفادة من وجود الواجب سبحانه ، وإذا كانت مستفادة من وجود الواجب سبحانه فلا يخلو إما أن تكون مستفادة منه بإخراجها وجودات أيضا مثلها من العدم فيلزم التسلسل وهو باطل ، وإما أن تكون بطريق تجليه عليها ، وإظهار وجوده المطلق بها ، وهو على إطلاقه لم يتغير ولم يتبدل كما سبق ، وهو المطلوب ، فثبت بالبرهان العقلي على
هامش
( 1 ) أرسل الكندي إلى المعتصم باللّه رسالة يحاول فيها الكندي إبعاد الاتهام عن الفلسفة والمشتغلين بها وفيها : تعد صناعة الفلسفة التي تعرف بأنها علم الأشياء بحقائقها بقدر طاقة الإنسان من أعلى الصناعات الإنسانية منزلة وأسماها مرتبة ؛ وسبب ذلك أن غرض الفيلسوف في علمه إصابة الحق وفي عمله العمل بالحق . ( رسالة الكندي إلى المعتصم باللّه في الفلسفة الأولى ( 97 ) .