المثال المذكور ليس مأمورا بإيجاد نفسه وإنما هو مأمور بفعل آخر وهو حين الأمر له موجود بوجود يساوي فيه مولاه الذي أمره .
وأما في مسألة الأمر الإلهي للكائنات العدمية بالتكوين ، فإنه أمر بإيجاد النفس صادر من موجود حق إلى معدوم صرف ، فامتثاله للأمر وظهور تكوينه لنفسه عن نفسه بالأمر الإلهي كناية عن قبول تأثير فعل اللّه تعالى فيه ، نظير الفعل المطاوع في اللغة العربية كقولهم : كسرت الإناء فانكسر فقوله : ( كن ) مثل قولهم : كسرت الإناء وقوله تعالى :
فَيَكُونُ
، مثل قولهم : فانكسر ، فإنه يسمى فعلا صادرا من الإناء مع أن الإناء مفعول لا فاعل ، فهو مفعول من وجه وفاعل من وجه ، وليس للكاسر في الإناء غير الكسر ، وأما الانكسار فهو فعل الإناء لا فعل الكاسر ، ولهذا إذا كان الإناء من حجر صلب ووجد الكسر ، أي صورة الفعل من الكاسر ولم يوجد الانكسار كان الكاسر فاعلا ، ولم يكن الإناء فاعلا لعدم قبوله وعدم استعداده لأثر فعل الكاسر فلم يصدر عنه فعل ، وفي حقيقة الأمر جميع الأفعال الصادرة من غير الحق تعالى من تكوين النفس وتحريكها وتسكينها في الخير والشر ظاهرا أو باطنا إنما هي انفعالات عن فعل الحق تعالى والانفعالات تسمى أفعالا مطاوعة ، فيقال : كوّن اللّه تعالى الأشياء بأمره فتكونت هي في نفسها بنفسها وحركها وسكنها بأمره في الخير والشر في ظاهرها أو باطنها فتحركت وسكنت هي في نفسها بنفسها ، فلا يكون للّه تعالى في ذلك غير مجرد الأمر لها المسمى فعلا من وجه وقولا من وجه فمن حيث إنه أثر فيها حملها وألجأها واضطرها إلى قبول مقتضاه على حسب استعدادها يسمى فعلا بطريق القهر لها كما قال تعالى :
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ
[ الانعام : 18 ] والكل عباده . قال سبحانه :
إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً 93 لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا
( 94 ) [ مريم : 93 - 94 ] ، ولأنه فعل أمر أيضا فإنهم سموا الأمر فعلا ، لأنه يفعل الامتثال في القابل له ، ومن حيث إنه اقتضى فعلا آخر يصدر من الأشياء مطاوعا له على حسب مراده يسمى قولا ، فكان نظير قول المولى الذي يخاف فلا يعصى لعبده قم ، فإنه يسمى فعلا من أنه فعل أمر ، وقد ألجأ العبد واضطره إلى القبول ، فكأنما كان القبول منفعلا عنه ، وتسميته قولا على ظاهره ، واللّه بكل شيء عليم .
* * * فقام أصل التّكوين على التّثليث أي من الثّلاثة من الجانبين ، من جانب الحقّ ومن جانب الخلق .
ثمّ سرى ذلك في إيجاد المعاني بالأدلّة : فلا بدّ في الدّليل أن يكون مركّبا من ثلاثة على نظام مخصوص وشرط مخصوص ، وحينئذ ينتج ، لا بد من ذلك . وهو