آخرون ( قاطعون بها ) ، أي بآيات الركائب ( السّباسب ) جمع سبسب وهي البرية الواسعة والمراد الطريق ، أي قاطعون بها الطرق على السالكين ، وهم الذين قاموا بها بأنفسهم لا بالحق سبحانه .
( فأما ) القوم ( القائمون بها ) بالحق لا بالنفس ( ف ) إنهم ( أهل ) شهود ( عين ) ، أي أهل شهود الوجود المطلق الذي هو كل وجود مقيد فهو عينهم ( وإن ) القوم ( القاطعين ) بها السباسب ، أي الطرق ( هم الجنائب ) جمع جنيب وهي التي تقاد وليس عليها راكب بعدم ظهور الحق لهم سبحانه في آيات نفوسهم ، فهم الحاملون للأمانات العلمية والأسرار الإلهية لمن يشهدها منهم ، وهم لا يعلمون ذلك لقيامهم بأنفسهم واشتغالهم بأحوالهم الكونية دون التجليات الإلهية ، وهم حملة العلم لا أهل العلم . قال تعالى :
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[ الجمعة : 5 ] ، ( فكل منهم ) ، أي كل واحد من الطائفتين ( يأتيه منه ) ، أي من قبل نفسه ( فتوح ) ، أي فيض ( غيوبه ) ، أي غيوب ذاته ( من كل جانب ) من جوانب الأسماء الإلهية والحضرات الأمرية الربانية .
* * * اعلم وفّقك اللّه أنّ الأمر مبنيّ في نفسه على الفرديّة .
ولها التّثليث فهي من الثّلاثة فصاعدا . فالثّلاثة أوّل الأفراد . وعن هذه الحضرة الإلهيّة وجد العالم .
فقال تعالى :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
( 40 ) [ النحل :
40 ] فهذه ذات ذات إرادة وقول . فلولا هذه الذّات وإرادتها وهي نسبة التّوجّه بالتّحصيص لتكوين أمر ما ؛ ثم لولا قوله عند هذا التّوجه كن لذلك الشّيء ما كان ذلك الشّيء . ثم ظهرت الفرديّة الثّلاثيّة أيضا في ذلك الشّيء .
وبها من جهته صحّ تكوينه واتّصافه بالوجود ، وهي شيئيّته وسماعه وامتثاله أمر مكونّه بالإيجاد .
فقابل ثلاثة بثلاثة : ذاته الثّابتة في حال عدمها في موازنة ذات موجدها ، وسماعه في موازنة إرادة موجده ، وقبوله بالامتثال لما أمره به من التّكوين . في موازنة قوله كن فكان هو .
فنسب التّكوين إليه فلولا أنّه في قوّته التّكوين من نفسه عند هذا القول ما تكوّن .
( اعلم ) يا أيها السالك ( وفقك اللّه ) تعالى لمرضاته وللتحقق بأسمائه وصفاته