تعالى المأخوذة ( من ) قوله سبحانه :
( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
ف
شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ )
بعض ( منها ) ، أي من تلك الأينيات التي هي مراتب لوجه الحق تعالى ( ففيه ) ، أي في شطر المسجد
( وَجْهُ اللَّهِ )
سبحانه .
( ولكن لا تقل ) يا أيها السالك ( هو ) ، أي الحق تعالى ( ههنا ) في شطر المسجد الحرام ( فقط ) دون غيره من الجهات ( بل قف ) يا أيها السالك ( عندما أدركت ) وعرفت من أنه تعالى في كل وجهة من حيث ظاهريته كما مر غير مرة ( والزم الأدب ) الذي أمرت به على لسان الشارع ( في استقبال شطر المسجد الحرام ) حال صلاتك ولا تستقبل غير ذلك في الصلاة ( والزم الأدب ) أيضا ( في عدم حصر الوجه ) الإلهي ( في تلك الأينية الخاصة ) شطر المسجد الحرام ( بل هي ) ، أي تلك الأينية ( من جملة أينيات ما تولى ) من الناس ( إليها ) فهي وغيرها سواء في كون وجه الحق تعالى ظاهرا فيها من اسمه الظاهر لا فرق بينهما أصلا ، ولكن الخصوص شطر المسجد الحرام أمر تعبدي شرعي لا علة له غير مجرد الأمر الإلهي بالتوجه إلى ذلك ، فللخصوص أدب وللعموم أدب ، والكامل قائم بكلا الأدبين في ظاهره وباطنه علما وعملا .
( فقد بان ) ، أي ظهر ( لك ) يا أيها السالك ( عن اللّه ) تعالى ( أنه ) ظاهر سبحانه من حيث تجلي اسمه الظاهر ( في أينية كل وجهة ) لكل أحد ، وهو سبحانه من حيث اسمه الباطن منزه عن كل شيء بل عن تنزيهنا له ، لأنه حكم منا على محكوم عليه مفهوم لنا ، وكل محكوم عليه مفهوم لنا محدود محصور ، وكل محدود محصور غير مطلق وغير منزه عن القيود ، فتنزيهنا تشبيه له ، والتنزيه اللائق به ما هو عليه في نفسه مما لا يعلمه به عالم أصلا ، وإنما تعلق علم العالمين به من حيث تشبيهه وظهوره في الأينيات المذكورة ، وتجليه لقلوب العارفين في كل صورة ، ومن هذه الحضرة جاءت الشرائع وانتصبت الوسائل إليه والذرائع ووصف على ألسنة الأنبياء والمرسلين وتعلقت به قلوب السالكين والواصلين ، فمن عرف أنه مطلق في عين كونه مقيدا وصدق وآمن بأنه سبحانه منزه بالتنزيه الذي يعلمه هو سبحانه مما هو معجوز عنه في عين كونه مصوّرا محدودا ، فكان تعالى عنده جامعا بين النقيضين وموصوفا بالخلافين والضدين فهو العارف الكامل والعالم العامل ومن قيده بالإطلاق أو القيد فهو جاهل به تعالى وعلمه قاصر غير شامل .
( وما ثم ) ، أي هناك في الأينيات المذكورة ( إلا الاعتقادات ) في الحق تعالى من كل معتقد من الناس ( فالكل ) ، أي كل معتقد من الناس في الحق تعالى بأي اعتقاد اعتقده ( مصيب ) في اعتقاده ذلك ، لأن الحق تعالى تجلى عليه في ذلك الاعتقاد فخلقه له في بصيرته على حسب استعداده ، فكيف يكون أخطأ في اعتقاده ،