مُقْتَدِرٍ
( 55 ) [ القمر : 54 - 55 ] . وقال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ
[ الأعراف : 206 ] الآية . وقال تعالى :
وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ
[ السجدة : 12 ] الآية .
( ولهذا ) أي لكون الأمر كذلك ( ينكر ) سبحانه ، أي ينكره قوم من الجاهلين به الغافلين عنه الكافرين له ( ويعرف ) سبحانه ، أي يعرفه قوم آخرون من المؤمنين به المتقين الكاملين ( وينزه ) ، أي ينزهه قوم من المسلمين الحاكمين بعقولهم في إيمانهم به ( ويوصف ) سبحانه بما لا يليق بجنابه من أوصاف الحوادث عند قوم من المبتدعين الضالين ، وجميع ذلك تجلياته سبحانه في حضرة ظهوره ، لأنه الظاهر بكل شيء ، وهو في حضرة بطونه على ما هو عليه من إطلاقه الحقيقي ، لأنه الباطن عن كل شيء ، وأحكامه متوجهة منه تعالى على كل ذلك بألسنة رسله وأنبيائه عليهم السلام ، فحكم بالكفر في اعتقاد وبالإيمان في اعتقاد وبالبدعة في اعتقاد وبالجهل به في اعتقاد وبالمعرفة به في اعتقاد واللّه يحكم لا معقب لحكمه له الحكم وإليه ترجعون .
* * * فمن رأى الحقّ منه بعينه فذلك العارف .
ومن رأى الحقّ منه بعين نفسه فذلك غير العارف .
ومن لم ير الحقّ منه وانتظر أن يراه بعين نفسه فذلك الجاهل .
وبالجملة فلا بدّ لكلّ شخص من عقيدة في ربّه يرجع بها إليه ويطلبه فيها .
فإذا تجلّى له الحقّ فيها عرفه وأقرّ به ، وإن تجلّى له في غيرها أنكره وتعوّذ منه وأساء الأدب عليه في نفس الأمر .
وهو عند نفسه أنّه قد تأدّب معه .
فلا يعتقد معتقد إلها إلّا بما جعل في نفسه ؛ فالإله في الاعتقادات بالجعل ، فما رأوا إلّا نفوسهم وما جعلوا فيها .
( فمن رأى الحق ) تعالى ( منه ) ، أي من نفسه وصورته يعني ظاهرا له من ذلك ، لأنه مظهر له تعالى ، أي آلة لظهوره سبحانه من حيث نحن وإلا فهو تعالى ظاهر لنفسه أزلا وأبدا ولا حاجة له في ظهوره إلى شيء أصلا ( فيه ) ، أي في نفسه وصورته على معنى أن نفسه وصورته تفنى وتضمحل بظهوره سبحانه فيبقى هو تعالى الموجود الممسك للنفس والصورة الممكنة العدمية بالعدم الأصلي ، ولا نفس ولا صورة في الوجود أصلا ( بعينه ) ، أي بعين الحق تعالى ، لأنه سبحانه كان عينه التي يبصر بها لا