( وإذا كان الحق ) سبحانه ( وقاية للعبد بوجه ) في النوع الأوّل من التقوى ( و ) كان ( العبد وقاية للحق ) تعالى ( بوجه ) آخر في النوع الثاني من التقوى ( فقل ) يا أيها السالك ( في ) هذا ( الكون ) ، أي الوجود الموهوم النسبة المضاف إلى الأعيان الممكنة العدمية الظاهرة في الحس والعقل ( ما شئت ) ، أي أردت من العبارات حيث عرفت الأمر على ما هو عليه في نفسه ( إن شئت قلت هو ) ، أي هذا الكون المذكور ( الخلق ) ، لأنه تقدير اللّه تعالى الذي قدره في الأزل في ظلمة العدم ثم ظهر به حيث أظهره بتجلي وجوده عليه ( وإن شئت قلت هو ) ، أي الكون المذكور ( الحق ) تعالى ، لأن الوجود المطلق الظاهر نوره على أعيان الممكنات العدمية بالعدم الأصلي ( وإن شئت قلت هو ) ، أي الكون ( الحق ) باعتبار الوجود المطلق الظاهر بنفسه ولا شيء معه إذ
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا
هو ( الخلق ) باعتبار صور الأعيان الممكنة الظاهرة بنور الوجود المطلق ( وإن شئت قلت ) إنه ( لا حق من كل وجه ) بل من وجه الوجود فقط ( ولا خلق من كل وجه ) ، بل من وجه الصور الممكنة المحسوسة والمعقولة ( وإن شئت قلت بالحيرة في ذلك ) الأمر والوقوف من غير قطع بواحد ، فإنك لا تقدر أن تخلص واحدة إلى الطرف لتعلقها بالأخرى ، وإليه أشرت بقولي شعر
إنّ الوجود حقيقة لا تدرك * وقف المحقق عنده والمشرك
( فقد بانت المطالب ) التي هي مقاصد العارف ، فإنه يعرف الكون بهذه المعارف المذكورة ، ثم ينفيها ويقف في العجز عن الإدراك ، ثم في العجز عن العجز ، ويرجع إليها بغير ما تركها ، وهكذا وليس للأمر نهاية ولا للمعرفة غاية ( بتعيينك ) هذه ( المراتب ) المذكورة للكون في نفسك ( ولولا التحديد الوارد ) عن اللّه تعالى في حضرة ظهوره كما سبق بيانه ( ما أخبرت الرسل ) عليهم السلام ( بتحوّل الحق ) تعالى في يوم القيامة ( في الصور ) لأهل المحشر ( ولا وصفته ) ، أي الرسل عليهم السلام ( بخلع الصور عن نفسه ) سبحانه ، فإن هذا كله تحديد في ظهوره تعالى ، وهو حق لا يغير الحق أصلا من حيث بطونه على ما هو عليه عز وجل .
وأخرج الترمذي بإسناده عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال : يجمع اللّه تعالى الناس يوم القيامة في صعيد واحد ، ثم يطلع عليهم رب العالمين فيقول :
ألا ليتبع كل إنسان ما كان يعبد فيتمثل لصاحب الصليب صليبه ، ولصاحب التصاوير تصاويره ، ولصاحب النار ناره ، فيتبعون ما كانوا يعبدون ويبقى المسلمون ، فيطلع عليهم رب العالمين فيقول : ألا تتبعون الناس فيقولون : نعوذ باللّه منك اللّه ربنا وهذا مكاننا حتى نرى ربنا ، وهو يأمرهم ويثبتهم ، ثم يتوارى ثم يطلع فيقول : ألا تتبعون الناس فيقولون نعوذ باللّه منك ، اللّه ربنا وهذا مكاننا حتى نرى ربنا وهو يأمرهم